إن فهم الدين من نصوصه، يتم بالنظر العقلي، والعقل الإنساني مهما كان مبنيًّا على المنطق الصحيح في أصل فطرته، فإنه يتأثر في بنائه التكميلي بواقع الحياة وأوضاعها؛ إذ هو ينمو ويتكامل في خضم ذلك الواقع، وهو ما يمثل تدخلًا غير مباشر للواقع في الفهم عامة ، بما في ذلك فهم الدين، إلا أن هذا التدخل لا تنشأ منه حتمية الخطأ، إذا كان الواقع منحرفًا، بل إنه يكون تبعًا في الرشد وعدمه للمنهج العام، الذي يتبعه العقل في التفكير.
والبيان الديني للأحكام، بيان ظنّي في كثير منه، كما مرّ بيانه، يحتمل وجوهًا متعدده من المعاني، يمكن أن يؤخذ ببعضها دون الآخر، بحسب المرجحات، وبعض المراد الإلهي ليس مناطًا لبيان مباشر، وإنما هو موكول لبيانات كلّية، موجّهة للمقاصد العامة، بحيث ينفسح فيها المجال أكثر من النوع السابق، لطرح الاحتمالات المختلفة، والموازنة بينها، بما يفضي إلى اعتماد أحدها.
وما يجري به واقع الحياة من نظم وأعراف، منه ما هو مبني على أصول من الحقّ، قتتحقق به المصلحة والنفع، وذلك بناء على حكم صائب للعقل، أو تجربة عملية أفضت إلى ثبوت النفع والنجاعة، وذلك كله معهود في حياة المجتمعات المختلفة.
وهذه المعطيات الثلاثة: صلة الواقع بالبناء العقلي، وظنية بعض البيانات الدينية، وحقّانية بعض مظاهر الواقع، هي التي يمكن أن ينبني عليها تقدير الدور، الذي يكون للواقع في فهم الدين تحديدًا لطبيعته ومجاله؛ وتنبيهًا لما يحفّه من إمكانات الانزلاق، التي تخرج به عن جادة الرّشد وتوقعه في الانحراف.