ولهذا السّبب فإنه من الضروري، أن يكون الدّور، الذي تقوم به المعارف العقلية، في تقدير المصلحة، محاط بضوابط تعصم من الوقوع في الفهم الخاطئ، لمقصد الدين. ولعل من أهم تلك الضوابط التقيد بالإطار العام للمقاصد الشرعية، المنصوص عليها بجلاء، أو المستخلصة بالاستقراء والتتبع، واتخاذها مصدرًا تحاكم إليه كل الأفعال المتعلقة بمقاصد جزئية، تختصّ بأوضاع جزئية، فذلك يضمن عصمة من تبنّي مصالح قد تكون مخالفتة لصريح النصوص. وتبدو في ظاهرها مصالح، وهي في الحقيقة موهومة. ومن أهم الضوابط أيضًا: التحري في المعارف العقلية، والتمييز بين ما هو منها حقيقة يقينية، أو ظنية راجحة، وبين ما هو نظريات احتمالية مظنونة، وكذلك تنقيتها مما هو ناشئ عن دافع إيديولوجي، يحيد بها عن الموضوعية العلمية، وبذلك لا يُعتمد في تقدير المصلحة، التي هي مقصد الشرع، إلا المعارف العقلية الصحيحة المورثة لليقين أو للظّن الرّاجح.
4 -دور الواقع في فهم الدّين:
نعني بالواقع: ما تجري عليه حياة الناس، في مجالاتها المختلفة، من أنماط في المعيشة، وما تستقر عليه من عادات وتقاليد وأعراف، وما يستجدّ فيها من نوازل وأحداث، فهل للواقع بهذا المفهوم دور في فهم الدين، الذي جاءت به نصوص الوحي، وإن كان ذلك، فما هي طبيعة هذا الدّور؟
يمكن أن نلاحظ مبدئيًا أن الدين خطاب معبّر عن حقائق أزلية، تتسع لتعالج أوضاع واقعية متغيرة، ولكنها لا تتبدل في ذاتها بتبدّل الواقع. ومن جهة أخرى فإن واقع الحياة الإنسانية، هو واقع مخلوط فيه الحقّ بالباطل، بل لعل الباطل فيه أغلب، فكيف يمكن أن يكون له مدخل في فهم الدين، الذي حقائقه أزلية؟