وإذا كان في هذه المعارف العقلية عون، في تقدير مقاصد الشارع، فإنها أيضا محفوفة بالعديد من المزالق، التي قد تحيد بالباحث عن مقصد الشريعة، عن جادّة الحقّ، وتوقعه في تقدير مصالح موهومة، ليست من الدين في شيء. ولعل من أبرز تلك المزالق أن العلوم العقلية، بما فيها العلوم الإنسانية، هي في يومنا هذا إنتاج لثقافة غربية، ذات منطلقات إيديولوجية مادية في أغلبها، وهي إيديولوجية سيكون لها أثر، إن كبيرًا أو صغيرًا، في النتائج العلمية في المجال ا لإنساني، باعتبار أن هذا المجال ليست الحقائق فيه منضبطة موضوعيًّا مثل مجال العلوم الصحيحة، وبذلك يكون اعتماد العلوم الإنسانية في تقدير مقاصد الشريعة على علاتها، غير خلي من مخاطر الوقوع في خطأ التقدير.
وغير خفي ما يبدو اليوم، من مظاهر تتصل بهذا المزلق، نراها فيما ينادي به بعضهم، من اعتماد آراء ونظريات في العلوم الإنسانية في تقدير مصلحة الإنسان، باعتبارها مقاصد شرعية. ومثال ذلك، ما يتوهمه بعضهم من أن الرّبا ينشط الحركة الاقتصادية، وينهض بها، أو أن الاختلاط غير الرشيد، يهذّب من الخلق، ويخفف من شره الميل الجنسي، فيقدّر أن هاتين النتيجتين الاقتصادية والنفسية التربوية تحددان مصلحة الإنسان، وبالتالي مقصد الشريعة في هذين الأمرين (24 ) . وفي هذا النطاق تندرج كثير من الدّعوات، التي تلهث وراء مذاهب وآراء تتزيّي بزيّ العلم، وتريد أن تجر الأفهام الدينية إليها، في تعسف جليّ ليس فيه للاجتهاد النّزيه أثر.