الصفحة 78 من 233

إنّ الأحكام الدينية أغلبها كلية عامة، وصور الحياة الإنسانية جزئية متغيرة، وهي كلها ينبغي أن تجري على ما فيه مصلحة للإنسان مقصودة للشرع. ولعل عصر المسلمين هذا أكثر عصورهم تقلّبًا في صور الأوضاع المستجدة، ليس لتسارع نسق الحياة الإنسانية عمومًا فحسب، بل لأن ما عهدوه من صور للحياة، ظلّ زمنًا طويلًا في طور ركود، فلم يشهد التغيّر المتئد الموزون، فلما انفتحوا على الوضع الحضاري لهذا العهد، حدث في حياتهم ما يشبه الطفرة الإنقلابية، التي عصفت بوضع معهود، وأفضت إلى وضع جديد متداخل الصور، معقد العناصر، وهم مدعوّون فيه إلى أن يؤسسوه على مقاصد للشريعة، يملكون أصولها الكلية، وعليهم أن يفرّعوا منها فروعًا تكون أساسًا لحلولهم الدينية لهذا الوضع الجديد.

ومن الحصيلة البشرية من العلوم والمعارف، ما فيه عون على تبين ما فيه مصلحة، من أوضاع المسلمين المستجدة؛ فعلم الاقتصاد، وعلم الاجتماع، وعلم النفس، وغيرها من العلوم الإنسانية، تشتمل على قوانين هي أقرب إلى الحقيقة العلمية الموضوعية، وهو ما يرشحها لأن تكون وسيلة صالحة لتحديد ما فيه خير الإنسان ونفعه. ومن ثمة فإنها تصبح أداة مهمة للمسلم في اجتهاده، لتقدير مصلحة الإنسان في خضم الأوضاع التي انقلبت إليها حياته اليوم. وإذا عدنا إلى المثال الآنف الذّكر؛ فإن علم النفس التربوي، بيّن ما ينشأ من مضار، تتعلق بالأطفال، حينما يفقدون حدب الأمومة، في طور نشأتهم الأولى. وعلم الاجتماع بين نتائج الاختلاط الأهوج، وأثره على الترابط الأسري، والاجتماعي عمومًا. وعلم الاقتصاد بين أهمية تضافر المجهود الوطني على الإنتاج، وأثر العطالة في انخرام التوازن بين الإنتاج والاستهلاك. ومن كل هذه المعطيات العقلية من العلوم الإنسانية، يمكن بل يتعيّن على المجتهد، أن يتخذ سبيلًا لفهم المقصد الشرعي، الذي يبني عليه صيغة دينية لحل هذه المشكلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت