وما يعرض للإنسان من أوضاع جديدة في حياته، لم يبينها نصّ ديني، ينبغي على المسلم أن يجتهد في إجرائها على صيغة دينية، يشتقّها بالنظر العقلي، المستنير بهداية الشّرع. وهذه الصيغة الدينية، تنضبط بمقصد شرعي، يمثّل المصلحة المرجو تحقيقها للإنسان، بإجراء الأوضاع الجديدة عليها. ولئن كانت المقاصد العامّة للدين، التي تحدد المسار العام للحياة، معلومة من التنصيص الصريح عليها، فإن المصالح الجزئية المندرجة في تلك المقاصد العامة، والتي ينبغي أن تؤسّس عليها الصيغ الدينية المتوصل إليها بالاجتهاد، تبقى هي أيضًا متوقفًا تحصيلها، على اجتهاد عقلي، يسبق أو يقارن الاجتهاد في صياغة الحلّ الديني، ومثاله الموضح أنه يعرض للمسلمين اليوم وضع اقتصادي، يستدعي وفرة في الإنتاج، لتغطية المتطلبات المستحدثة للاستهلاك. وللاستقلال الغذائي، خاصة عن القوى العالمية المهيمنة المستغلة، ووفرة الإنتاج قد تستدعي مساهمة المرأة في المجهود الإنتاجي بشكل مكثّف، إلاّ أنّ هذه المساهمة قد تكون لها نتائج سلبية في مجال الأسرة والدّور التربوي فيها، وفي مجال الأخلاق العامة أيضًا، يفشوّ الاختلاط، والتفلت من ضوابط الرّشد، فما هو الحلّ الديني لهذا الوضع المستجد؟ إنّ المجتهد مدعوّ لأن يتحرّى المقصد الشرعي، الذي تتحقق به مصلحة الأمة، موازنة بين التربية الأسرية، وبين وفرة الإنتاج، وبين حفظ الأخلاق العامّة، فإذا ما انضبطت تلك المصلحة، صاغ على أساسها حلاًّ دينيًّا لهذا الوضع الجديد. وموضوع بحثنا في هذا الصدد هو: كيف يمكن تحرّي تلك المصلحة، التي هي مقصد ديني، ليس عليه تنصيص مباشر؟ وما هو دور المعرفة العقلية في ذلك؟
لا شك أنّ للمعارف العقلية دورًا مهمًّا في تعيين المصلحة، التي هي مقصد الدين، في مثل هذه الأوضاع الطارئة على حياة المسلمين، فما هي مبرّرات هذا الدّور؟ وما هي ضوابطه؟ وما هي التحدّيات المتربّصة به في الوضع الرّاهن للمسلمين؟