ومن هذه المصالح، ما هو منصوص عليه على وجه الوضوح: إمّا نصًّا يشمل به كل أفعال الإنسان، بحيث يكون أصلًا لها تنبني عليه جميعًا، مثل رفع الضرر في قوله صلى الله عليه وسلم:"لا ضرر ولا ضرار" (20 ) . وإمّا نصًّا يجمع به نوعًا معيّنًا من الأفعال، مثل رفع الغرر في قوله صلى الله عليه وسلم: لرجل يخادع في البيوع:"إذا بايعت فقل لا خلابة" (21 ) ، فهو مصلحة، تتحقق في نوع المعاوضات من الأفعال.
ومنها ما هو غير منصوص عليه، ولكنه مبثوث في واقع تصرفات الدين، في صياغته للأحكام، بحيث يمكن أن يستنتج بالتتبع، والاستقراء، مثل مصلحة رواج الطعام في الأسواق، وتيسير تناوله، المستنتج من النهي عن بيع الطعام قبل قبضه، والنهي عن الاحتكار فيه (22 ) .
وهذان النّوعان من المصالح تفهم من خلال النصوص، إمّا بصفة مباشرة، أو بصفة الاستنتاج، لتُجرى عليها الأفعال المتعلقة بها، تعلقًا مباشرًا. أو ضمنيًّا، فتحصيل أفهامها، يكون باجتهاد ميسّر، لما هي منضبطة به، من بيانات نصّية واضحة، أو قريبة من الوضوح. وللعلماء اجتهادات مفيدة، في بيان المسالك، التي يتوصّل منها إلى فهم هذه المصالح المقصودة للشارع، تقوم في أغلبها على قواعد الفهم النصّي، أو قواعد الاستقراء، لما ورد منها ضمنيًّا في ثنايا الأحكام الشرعية (23 ) .