وقد تحرّج بعض العلماء من المسلمين، من هذا الدّور للمعرفة العقلية، في فهم النص الديني، بحسبان أن يفضي إلى أن يصبح الخالفون أعمق فهمًا له، وأوسع إدراكًا من السلف الصالح، بما فيهم الصحابة والتابعون. وقد ساور هذا الحرج الإمام الشاطبي فقال في حديث عن القرآن الكريم:"إنّما يصحّ في مسلك الإفهام والفهم ما يكون عامًا لجميع العرب، فلا يُتكلّف فيه فوق ما يقدرون عليه" (17 ) ، ثم علّل هذا الرّأي في معرض نقده، لمن فسر القرآن على ضوء العلوم العقلية، فقال:"إنّ السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن يليهم كانوا أعرف بالقرآن وبعلومه، وما أودع فيه، ولم يبلغنا أنه تكلم أحد منهم في شيء من هذا المُدعى.... وذلك دليل على أن القرآن لم يقصد فيه تقرير لشيء مما زعموا" (18 ) .
وليس لهذا التحرج من سبب وجيه، فالسلف الصالح كانوا أعلم بالنص الديني في هديه العام، وبحسب ظروفهم الثقافية، وذلك كاف في إثبات أفضليتهم، ولكنهم هم أنفسهم كانوا يقولون: إن القرآن لا تنقضي عجائبه، تقريرًا منهم لكونه ينفسح أفقه، وتتسع مدلولاته، بحسب تطور الإنسان في ثقافته، فيكشف فيه باطراد الحقائق، التي تهديه في مستجدات أوضاع حياته، وذلك مظهر من مظاهر إعجازه، فإن الحق الذي يشتمل عليه:"ينبلج للناس شيئًا فشيئًا ، انبلاج أضواء الفجر، على حسب مبالغ الفهوم وتطورات العلوم" (19 ) .
( ب ) تقدير المقاصد:
إن الدين كله مبني على مقاصد، تنتظم جميع أحكامه وإرشاداته، وهذه المقاصد هي مصالح، تحقق للإنسان الخير والسعادة.