الصفحة 74 من 233

وفي نطاق هذا الدور أيضًا، يتمكن المسلم من أن يستخدم المعارف العقلية في الترجيح بين الاحتمالات ا لمختلفة، في مدلولات النصوص الظنّية، فإن في العلوم الاقتصادية والاجتماعية والنفسية وغيرها، مما يتعلق بحياة الإنسان من الحقائق التي اكتشفها العقل، ما يعين على تحديد وجه المراد الإلهي، من بين احتمالات عدّة، فيسدد الاجتهاد في الفهم، ويفضي تبعًا لذلك إلى ترشيد التدين بتحكيم الأفهام السديدة في شؤون الحياة (15) .

ومن البين أن المعارف العقلية التي تستخدم في فهم المراد الإلهي، ينبغي أن تكون على درجة من الوثوق، تنأى بها عن الفرضيات الاحتمالية الضعيفة، فإن إقحام هذه الفرضيات الضعيفة في تحديد المراد الإلهي يسيء إلى النص الديني، حينما يظهر خطؤها، وقد عدّت مدلولات له، كما أنه يجرّ إرهاقًا وحرجًا في شؤون الحياة، لما تصبح جارية على أساسها، وهذا ما يدعو إلى الاقتصاد في استخدام المعارف العقلية في فهم الدين، بما يضمن إصابة الحق في أقصى درجات الإمكان. وهذا موقف وسط بين تطرفين:

أحدهما: المبالغة في التحوّط بالنأي عن تأويل النص الديني بالمعرفة العقلية النسبية.

وثانيهما: الإسراف في بسط مدلولاته على الكم الكبير من هذه المعرفة، الذي يختلط فيه اليقيني بالظني بالموهوم، إسرافًا يوقع في التعسّف، وتحريف الكلم عن مراده. وممّا قاله الإمام ابن عاشور في هذا المعنى: لا شك أن الكلام الصادر عن علام الغيوب تعالى وتقدّس، لا تبنى معانيه على فهم طائفة واحدة، ولكن معانيه تطابق الحقائق، وكلّ ما كان من الحقيقة في علم من العلوم، وكانت الآية لها اعتلاق بذلك، فالحقيقة العلمية مرادة بقدر ما بلغت إليه أفهام البشر، وبمقدار ما ستبلغ إليه. وذلك يختلف باختلاف المقامات، ويبنى على توفر الفهم، وشرطه أن لا يخرج عمّا يصلح له اللفظ عربية، ولا يبعد عن الظاهر إلا بدليل (16 ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت