الصفحة 73 من 233

لقد أودع الله تعالى في وحيه علمًا محيطًا، فكان ما يشتمل عليه من الحقائق كنزًا لا يحيط الإنسان بآخره. وكأنما شاءت الإرادة الإلهية، أن يكون الهدي المرشد للحياة في كلّ ظروفها وأوضاعها مُودعًا في النصّ الديني بصفة جلية، بحيث يحصّله العقل بالنظر الأولي، مهما كان حظّه من كسبه الذاتي للمعرفة، وأن تكون جملة أخرى من الحقائق مودعة فيه، بحيث لا يحصّلها العقل إلا على ضوء ما يبلغه من المعارف الذّاتية، بحسب ما يترقّى الإنسان في ذلك ترقّيًا يفضي به إلى أوضاع من الحياة، يكون في سبيل تقويمها في حاجة إلى تلك الحقائق المودعة في النّص بصفة غير جلية فيحصّلها بالنظر الاجتهادي، تدفعه إليها حاجة الظروف المستجدة، وتهديه إليها معارفه المكتسبة. ولهذا السبب كان القرآن والحديث معينًا لا ينضب للمفسرين والمحلّلين، يتوالون على مر الزمن على الغوص فيه، ويصدر كلٌّ منهم بحصيلة من الكنوز، بعضها مشتركٌ بينهم جميعًا، وبعضها يختص به بعضهم دون الآخرين، استجابة للنوازل المستجدّة، واستهداء بعلوم الإنسان، وسيبقى الأمر كذلك، ما بقي القرآن، وما بقيت الأمة الإسلامية.

وفي نطاق هذا الدور يكتشف الناظر في النص الديني حقائق كونية وإنسانية، بما وصل إليه العقل من معارف في هذا المجال. ولدى العلماء اليوم حصيلة ثرية من هذه الحقائق مترجم لها في الغالب بالإعجاز العلمي في القرآن والحديث (14 ) . وقد يتبادر إلى الذهن أن هذه الأفهام الجديدة للدين لا دور لها في هدى الحياة، من حيث هي دين، باعتبار أنها كانت حاصلة في العقل أولًا، باعتبارها كسبًا ذاتيًّا له، والحقيقة أنها لما غدت أفهامًا دينية، فإنها سيصبح لها وضع آخر، غير الوضع الذي كانت عليه قبل ذلك، وسيؤسّس عليها المسلم حلولًا للنوازل العارضة، باعتبارها هديًا دينيًّا، ممّا يكسب تلك الحلول الصبغة الدينية الشاملة، ويرفع من كفاءتها في تحقيق المصلحة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت