الصفحة 95 من 233

وقد بدا ذلك الزهد، في العناية بالواقع جليًّا في نزعة التصوّف، التي كادت تعم بعد إجازتها من قبل الإمام الغزالي في القرن الخامس، حيث تروم هذه النزعة الخلاص الفردي، بترويض النفس على العبادة بعيدًا عن عالم الناس، وخضم حياتهم الواقعية، فكأن فيها إعلانًا عن الاستقالة من واقع المسلمين العام، والانكفاء إلى عالم الذّات، لممارسة الدين في رحابه: تريّضًا نفسيًّا، وإقبالًا على الله، من خلال العبادة الفردية، بعيدًا عن مكابدة الواقع الاجتماعي العريض.

وعلى هذا النحو أيضًا كانت سيرة علماء الفقه وأئمته، فقد ابتعدوا عن المشاكل الواقعية للحياة الإسلامية العامة، بدافع من التوجس من سطوة السلاطين من جهة، ومن خفوت الزخم الحضاري الحي، وسيرورة الحياة إلى نمطٍ رتيب غير مثير من جهة أخرى، وعكفوا على ما بين أيديهم من موروث فقهي ثرى، يعملون فيه بالترتيب والشرح والتفصيل، صياغة في ذلك على مقتضى المنطق العقلي المجرّد، وتضخيمًا للفقه التعبدي الخاص، الذي لا علاقة له بمجريات الأحداث الاجتماعية، وجرى ذلك كله في معزل عن الواقع، الذي أخْضِعت نوازله لما هو مقرّرٌ قبل من الأحكام الفقهية، وانقطع بذلك أو كاد الاجتهاد في فهم الواقع في أسبابه وعلله، لينزّل الدين عليه، بما تقتضيه مستأنفات أوضاعه كما كان الأمر في الأجيال الأولى.واقتفى هذا الأثر علماء العقيدة، فعكفوا على مدوّنات السابقين، التي نشأت من التفاعل مع الواقع الثقافي، يعملون فيها بالترتيب والتنظيم، في غير اهتمام يُذكر بمستجدات ما يتفاعل في الواقع الثقافي والعقدي، رصدًا ودراسة وتقويمًا على نحو ما كان الأئمة القُدامى يفعلون في انطلاق آرائهم العقدية من ملاحظة سيرورة العقيدة الإسلامية في واقع الناس، وما يعتورها من ثبات وصفاء، ومن دخائل أجنبية عنها تسعى بها إلى الانحراف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت