وقد يشكل على بعضهم علاقة المعنى الذي يتضمنه النص بالسبب الذي نزل فيه، فيقع الميل إلى تخصيص الحكم بذلك السبب أحداثًا وأشخاصًا، وفهمه على أنه مقصور عليه، وهذه نزعة نلحظ فيها اليوم رواجًا، لدى من يرومون المروق من مبدأ الاستمرارية في الهدي الديني، حيث جنحوا إلى تخصيص الكثير من أحكام الوحي بأسبابها الظرفية، وجعلوا ذلك مبرر الاستعاضة عنها بأحكام وضعية. ومن البيّن أن هذه النزعة كفيلة بأن تهدم الدين أصلًا، حيث تنتهي به إلى وضع من التاريخية ينقطع به عن الحياة، ويؤول به إلى العطالة الكاملة.
ولعل من مظاهر الحكمة الإلهية، أن كانت الأسباب التي فيها نزل الوحي، غير مضمنة في النص الديني، القرآني منه على وجه الخصوص، بل ظل هذا النص مصوغًا في صيغة كلية عامة، حتى يبقى ذلك العموم في البيان، مفيدًا للعموم في الأحكام، مطلقًا من قيود التشخيص في الزمان والمكان، وهو ما تعارف عليه الأصوليون بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وقد جعلت الأسباب مأثورات تروى خارج النص، حتى يكون لها دور التجلية لمعناه، دون أن تميل به لو تضمنها في صلبه، إلى التخصيص، الذي يذهب بعمومية الأحكام.
3 -دور المعرفة العقلية في فهم الدين:
نقصد بالمعرفة العقلية ما يكسبه العقل بنظره الذاتي، من معارف وعلوم، تتعلق بالكون أو بالإنسان، فهل من دور للعلوم العقلية في فهم الهدي الديني؟ وما هي طبيعة ذلك الدور ومظاهره؟