لقد كان الوحي هداية واقعية للناس، ولذلك كان تنزله تنجيمًا بحسب نوازل تقع بالفعل، ليعالج من خلالها القضايا العامة، التي تتعلق بالإنسان المطلق، لما في ذلك من شدة الوقع في المعالجة، ومن ثمة اقترنت النصوص الدينية قرآنًا وحديثًا بمناسبات وأسباب في نزولها، متمثلة في وقائع وأحداث، عُرفت في الثقافة الإسلامية بأسباب النزول (9 ) .
وهذه الوقائع والأحداث، التي كانت أسبابًا لنزول الوحي، تحمل من القرائن ومن مقتضيات الأحوال ما يكون ضروريًّا في فهم المراد الإلهي، من النصوص التي نزلت في شأنها، والتغافل عنها، قد يكون مدعاة إلى صرف المعنى عن حقيقة المراد، إلى ما يخالفه أو يناقضه، كأن يحمل حكم ما على المؤمنين، وقد نزل في الكفار أو العكس (10 ) . وقد كان عبد الله بن مسعود يعرِض اعتزازه بمعاشرة القرآن الكريم، وحذقه لمعانيه، فيقول في مقام الاستدلال على ذلك:"والذي لا إله غيره، ما أنزلت سورة من كتاب الله، إلا أنا أعلم أين أنزلت، ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيم أنزلت" (11 ) . ولعل هذه المعرفة بأسباب النزول من ابن مسعود هي أحد الأسباب في التزكية النبوية لعلمه القرآني من النبي صلى الله عليه وسلم ، حيث أمر بأن يؤخذ القرآن من أربعة أحدهم ابن مسعود (12 ) .
ويتبع المعرفة بأسباب النزول أحداثًا في الزمان والمكان، معرفة أحوال العرب وعاداتها حال نزول النص، فإن النصوص نزلت تخاطب الناس على مقتضى هذه العادات والأحوال، فيتوقف فهم مرادها على فهمها، وقد بين الإمام الشاطبي هذا المعنى بقوله:"ليس كل حال ينقل، ولا كل قرينة تقترن بنفس الكلام المنقول، وإذا فات نقل بعض القرائن الدالة، فات فهم الكلام جملة، أو فهم شيء منه، ومعرفة الأسباب رافعة لكل مشكل في هذا النمط. ومن ذلك معرفة عادات العرب، في أقوالها وأفعالها، ومجاري أحوالها، حالة التنزيل" (13 ) .