الصفحة 69 من 233

إن النظر الجزئي في النص الديني، اقتصارًا على موضع من مواضع البيان، يؤدي إلى فهم خاطئ في أغلب الأحيان، بل قد يؤدي إلى ما يخالف المراد الإلهي، كأن يقتصر على النظر في المنسوخ، وقد رفع الحكم الذي يحمله. وقد شهد تاريخ الفكر الإسلامي نماذج عدة من نزعات الفهم الجزئي، التي قصرت عن النظر الكلي المتكامل، وخذ مثالًا على ذلك نزعة الخوارج في الفهم، فقد كان مأخذهم الأصلي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، أنه رضي بتحكيم الرجال في موقعة صفين، والحال أن لا حكم إلا الله، ولو ردوا قضية التحكيم إلى ما ورد فيها في جملة القرآن والحديث، لتبين لهم أن في الدين سعة لما فعل علي رضي الله عنه ؛ ونزعة الخوارج الجزئية تتكرر عند كثير من الجماعات عبر تاريخ المسلمين، بدرجات مختلفة، ولا يخلو منها عهدنا الراهن، وثمرتها في الغالب فهم ناشز عن الحق، رغم توفر صدق النية في أغلب الأحوال.

وقد تكون الطريقة التي شاعت في الثقافة الإسلامية في تفسير القرآن والحديث ساهمت في شيوع الفهم الجزئي، أو على الأقل هي قابلة لأن تساهم في ذلك، وهي طريقة الشرح التحليلي للنص الديني، الذي يغلب عليه المنهج التجزيئي، حيث يُرتب الشرح بحسب المواضع منفردة، فتضعف فيه النظرة التكاملية، مهما حاول الشارحون أن يقارنوا الموضع المعين، بما يماثله من المواضع الأخرى.

ولهذا الاعتبار فإنه يكون من عوامل الترشيد المهمة لفهم الدين شيوع منهج في تفسير القرآن والحديث يقوم على الشرح الموضوعي، الذي تتخذ فيه القضايا محاور للبحث، فتُستقطب كل البيانات الواردة فيها، لتتوفر فرصة للمقارنة، تفضي إلى فهم أكثر إحاطة بالمراد الإلهي، وأكثر رشدًا في إصابة الحق. وإذا كان ثمة اليوم اهتمام متزايد بالتفسير الموضوعي، فإن هذا المنهج لم يصبح بعد منهجًا شائعًا في الثقافة الإسلامية.

جـ - الضابط الظرفي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت