الصفحة 7 من 233

إن هذه المعرفة بما تقدمه من نتائج تصبح ضرورة شرعية، وأعتقد أنها تقع ضمن إطار الفروض العينية للذي يتصدى لعملية الاجتهاد وبيان المراد الإلهي، وبسطه على واقع الناس، والحكم على مسالكهم، لتتم عملية الموافقة والتكيّف بين الحكم ومحله بدقة، ولا بد أن نذكر هنا تنبه بعض المؤسسات العلمية الإسلامية - كلية الشريعة بجامعة دمشق - إلى أهمية العلوم الاجتماعية والإنسانية بقدر أهمية العلوم الشرعية نفسها، فكانت لها أسبقية في هذا المجال، حيث اعتمدت دراسة علم النفس، وعلم الاجتماع، وحاضر العالم الإسلامي مواد أساسية في منهجها.

ولعل خطورة توقف العلوم الاجتماعية والإنسانية، في أنه حرم المفكر والمجتهد من التعرف إلى ساحة عمله، وأضاع عليه خارطة الطريق ، التي يحاول أن يسلكها، لتنزيل المراد الإلهي على واقع الناس، وتحقيق تقويم سلوكهم بدين الله، وامتلاك شروط التغيير السليمة؛ ولا مناص من الاعتراف اليوم بأن آليات العلوم الاجتماعية تطورت تطورًا كبيرًا على أيدي غير المسلمين، وبلغت شأوًا واسعًا، في معرفة الإنسان، الأمر الذي لا مندوحة منه لبسط الإسلام على حياة الناس، وإلا كان التعامل مع مجهول. لقد توقف العقل المسلم عن السير في الأرض، والتعرف على تاريخ الأمم في النهوض والسقوط، واكتشاف آيات الله في الأنفس والآفاق، وآليات التغيير الاجتماعي، التي وردت في القرآن بشكل لافت للنظر، وهي أشبه ما تكون بالمعادلات الرياضية بعد أن أصبح القرآن مجرد تراتيل للتبرك. . . فظن كثير من المجتهدين، أن العملية الاجتهادية، تكفي لها الرؤية النصفية، وهي الوصول إلى معرفة الحكم الشرعي، أما دراسة محل الحكم، والكيفية التي يتم بها بسطه على الواقع، وطبيعة هذا الواقع، بتركيبه المعقد، وأسبابه القريبة والبعيدة، فلم تأخذ الاهتمام المطلوب، فانفصل الدين عن الحياة، وانتهى الفقه إلى تجريدات ذهنية وأراجيز حفظية لا نصيب لها من الواقع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت