وإذا سلّمنا بأن المجتهد هو ابن عصره وبيئته، وأن الاجتهاد لبسط الدين على واقع الناس، وتقويم مسالكهم بنهجه يجب أن يأخذ بعين الاعتبار معطيات العصر، ومشكلات الناس، الذين هم محل الحكم الشرعي، فلا بد لنا من القول: بأن هذه المسلمة لحقت بها إصابات بالغة وقد نقول: قاتلة، من خلال ما نلاحظه من انفصال المجتهدين والمفكرين عن همّ أمتهم وقضايا عصرهم ومشكلاته، والدوران في فلك الاجتهاد والأفكار البشرية السابقة، التي على الرغم من دقتها وتميزها وإبداعها، إلا أنها إنما جاءت ثمرة لعصر معين، بقضاياه ومشكلاته. وأقل ما يقال فيها: إنها لم تكن محصلة لهذا العصر، وإن الالتجاء إليها، والاحتماء بها، قد يحافظ عليها حفاظًا تاريخيًّا، لكن الاقتصار على ذلك، دون القدرة على الإفادة منها، كمعين للفهم والنقل الثقافي، والشهود الحضاري، يفقدها قيمتها، ويبعد بها عن إغناء حياة المسلمين، فتنقلب معوقًا، ومانعًا حضاريًّا، بدل أن تكون دافعًا ومشروع نهوض.
ولعل الأخطر من ذلك - وارتباط الأمرين ببعضهما ارتباط سبب ونتيجة - التوقف المذهل في إطار العلوم الاجتماعية والإنسانية، وهي الأدوات والآليات الضرورية لفهم الواقع، وإدراك أبعاد الإنسان، والتعرف على مفاتيح شخصيته، وطرائق تفكيره، والأسباب الحقيقية الكامنة وراء مشكلاته، وهو محل الحكم الشرعي.