لقد دوِّن الوحي ليحفظ، وجُمع لئلا يضيع، ودوّن الحديث، وصُنِّف لتنقيته من الدخيل على الوحي، ونشأت دواعي علم النحو والصرف ودلالات الألفاظ لحماية النص وعدم الخروج بالمعنى عما وضع له اللفظ، لكن إلى أي مدى وخاصة في عصور الركود والتقليد استطعنا تجاوز أسوار الحماية هذه إلى الانتفاع بما في داخلها، لحاضرنا ومستقبلنا؟!
لقد بدأت القدسية للنص القرآني والحديث النبوي وهما مقدسان بلا شك لأنهما وحي يوحى، وكان لهذه القدسية معنى حياتي، وبعد حضاري، ثم انتهى القرآن إلى لون من التراتيل، يتلى للتبرك، بعيدًا عن دوره في بناء العقل، وتعمير الأرض، والقيام بأعباء الاستخلاف الإنساني، وأصبح صحيح البخاري، وموطأ مالك، وكتب السنة الشهيرة، تقرأ في النوازل، ثم انتقلت القدسية إلى فهوم البشر واجتهاداتهم في عصر معين، وأصبح المراد الإلهي وقفًا على فهمهم وعصرهم ومشكلاتهم وكادت هذه الفهوم تحل محل الكتاب والسنة، وبذلك افتقدا بهذه الصورة التي صارا إليها صفة الخلود والقدرة على العطاء المتجدد.
صحيح أن أصول المشكلات الإنسانية وثوابتها، يمكن أن تكون واحدة في العصور كلها، وأن مظاهرها وأشكالها، هي التي تتعدد، وتتنوع، وتختلف، ولو لا هذا التجدد لاكتفت البشرية بالنبوة الأولى، ولما جُعل الاجتهاد المستمر مصدرًا للتشريع في النبوة الآخرة، ولما جاءت معظم نصوص المراد الإلهي، عامة ومرنة، لتكون قادرة على استيعاب العصر وتصريف شؤون الناس وفق الهدي الديني، فيما وراء الثوابت، الأمر الذي لا بد له من الاجتهاد لكل عصر.