ومن الأمور التي تدعو للاعتزاز والإعجاب - والتي جاءت ثمرة حفظ الله لهذا الدين - الجهود العلمية التي بذلت لحماية نصوصه وتنقيتها، ومن ثم وضع الأصول والقواعد لمعرفة المراد الإلهي.
فلقد تطورت العلوم التي تخدم هذا المقصد في مجال مناهج التفسير، وعلوم القرآن، ومصطلح الحديث، وأصول الفقه، ومناهج الاستنباط، وعلوم اللغة، ودلالات الألفاظ، وهو ما يسمى علوم الآلة، تطورًا كبيرًا، وكلها تشكل في نهاية المطاف وسيلة لفهم الدين، لكنها انقلبت في عصور التقليد والركود والتخلف إلى غاية بحد ذاتها، معطلة بيد أصحابها يصعب إعمالها، وتعديتها إلى مجرد مثال آخر، غير مثال الأقدمين، وغاية ما استطاعت فعله، هو المحافظة على الصورة واستبقائها، ونقلها إلى الجيل التالي، أما تشغيل هذه الآليات، وتطويرها لتحقيق المقاصد منها، والإفادة مما قدمه العصر من تقنيات للحفظ والتيسير فلم يحظ بالحد الأدنى، كما أن التعامل مع الصورة الجديدة للواقع بظروفه وشروطه، من وجهة نظر إسلامية يكاد يكون توقف تمامًا من خال تلك الآليات التي تعطلت منذ زمن.
ونستطيع القول: إن هذه الآليات (آليات الفهم ) للمراد الإلهي في المراحل المتأخرة - حيث أصبحت تجريدات ذهنية بعيدة عن الواقع - بدل أن تكون أداة تيسير وفهم، انقلبت إلى حواجز ومعوقات تحول دون القدرة على الاغتراف من مصادر المراد الإلهي - الكتاب والسنة - للتعامل مع العصر، وأصبح التدين مقتصرًا على مجرد حفظها وترديدها، وليس القدرة على إعمالها، ولو أحسنّا إدراكها - إلى جانب حفظها - لتمت النقلة المطلوبة في بيان المراد الإلهي لمشكلات الأمة وقضايا الواقع، وبسط الدين سلطانه على الفعاليات المختلفة.