وقد نشأت في تاريخ الفكر الإسلامي، من عدم التقيد بأدب اللغة العربية، أفهام للدين، غريبة عن حقيقته، بل مُهدرة لتلك الحقيقة أحيانًا، ويكفي في ذلك مثالًا، ما آل إليه غُلاة المتأولة من الباطنية، من تفسيرات لنصوص القرآن والحديث، تكاد تؤلف دينًا آخر، غير دين الإسلام، مما هو موروث من الأديان والفلسفات القديمة، ويقابل هؤلاء المتأولة قوم من الظاهرية، الذين قصروا دلالات اللغة على ظواهر اللفظ، وتحللوا من قانون اللسان العربي، في المجاز الذي هو ركن عظيم في الدلالة على المعاني.
وكأن هاتين النزعتين: الباطنية والظاهرية، ظلتا تتدافعان في حلقات متلاحقة من ردود الأفعال، مع التجديد في الشكل الظاهري، بحسب الظروف الزمنية، مع الإبقاء دومًا على إهدار قانون اللسان العربي، مهما كان السبب المذهبي، الذي جرّ إلى ذلك الإهدار تأويلًا أو حرفية ظاهرية؛ وفي ساحة الفكر الإسلامي اليوم مشهد من ذلك التاريخ السجالي، حيث نجد نزعة باطنية جديدة، تبحث عن معان دينية من خارج المقتضيات اللغوية للنص، في إيهام بأنها مدلولات لذلك النص، وخذ مثالًا لذلك مُعطِّلة الحدود، وأنصبة الميراث، بادعاء أن هذا التعطيل مُراد إلهي، يلتمس في النص الديني نفسه. كما نجد أيضًا نزعة حرفية في الفهم، تُصر المعاني الدينية على ظواهر الألفاظ، فتضفي على الحقيقة الدينية العميقة ثوبًا من الشكلية، تعطل دافعيتها في تحريك حياة الإنسان نحو الغاية المرجوة.
وإلى جانب هاتين النزعتين اللتين تتجاوزان الضابط اللغوي، بسبب مذهبي في الغالب، فإن الجهل المحض بقانون اللغة العربية يمثل عاملًا خطيرًا في الزيغ، بفهم الدين عن سمته الصحيح، ودواعي هذا الجهل هي اليوم أكثر توافرًا، بما يفشو من الزهد في التفقه في اللغة العربية وآدابها، ومن الأسباب التي ينبغي التذرع بها اليوم للفهم السديد لأحكام الدين تنشيط فقه اللغة وحذق آدابها.
ب - الضابط التكاملي: