الصفحة 66 من 233

لقد ذكرنا آنفًا، أن للّغة العربية على عهد نزول الوحي أدبًا متفرّدًا يتصف بالعمق والثراء، وعلى حسب هذا الأدب وقوانينه جاءت لغة الوحي تخاطب الناس. ويتبع ذلك بالضرورة، أن يكون فهم مدلولات النص الديني منضبطًا بقوانين ذلك الأدب وقواعده، فيما فُطرت عليه اللغة العربية من اللسان، حيث"تخاطب بالعام يُراد به ظاهره، وبالعام يراد به العام في وجه، والخاص في وجه، وبالعام يُراد به الخاص، وظاهر يُراد به غير الظاهر، وكل ذلك يُعرف من أول الكلام أو وسطه أو آخره، وتتكلم بالكلام ينبني أوله عن آخره، أو آخره عن أوله، وتتكلم بالشيء يعرف بالمعنى، كما يعرف بالإشارة، وتسمي الشيء الواحد بأسماء كثيرة، والأسماء الكثيرة باسم واحد، وكل هذا معروف عندها لا ترتاب في شيء منه" (6 ) .

وإذا كانت اللغة كائنًا حيًّا، يأتي عليه التطور، سواء في مدلول الألفاظ، أو في مدلول نظمها، فإن فهم أحكام الدين من نصوص الوحي، ينبغي أن يكون على بينة من هذا الأمر، حتى لا تسقط معانٍ ومدلولاتٌ لاحقة في حدوثها عن عهد نزول الوحي على النص الديني، فيحمل من المعنى ما لا يمكن أن يحمله، وتحصل من ذلك أفهام زائغة عن المراد الإلهي (7 ) .

ولا يعني هذا الاحتراز العزوف عن كل مستجدات فقه اللغة وعلم الألسنية في فهم النصوص الدينية، بل إنه من المفيد استثمار ما وصلت إليه هذه المعلوم من نتائج علمية، والاستعانة بها على الفهم، ولكن ذلك ينبغي أن يكون في نطاق أدب اللغة العربية على عهد نزول الوحي، دون الانزلاق في تأولات إسقاطية تحدث في الدين ما ليس فيه، بتحميل اللغة ما لم تحمله من المراد الإلهي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت