وربما يكون رأي المصوبة أجدى عمليًّا، في تطوير حياة الإنسان وإخصابها بما يعود عليه بالنفع؛ ذلك لأنه رأي ينفسح فيه المجال، لأن تتحصل لدى المجتهدين عبر الأجيال أفهامٌ تتغاير في نوع القضية الواحدة من قضايا الحياة، ويكون كل فهمٍ منها محققًا لمصلحة المسلمين في تلك القضية، بحسب تغاير أعيانها عبر الزمن، لتغاير ظروفها وملابساتها الشخصية، فإذا ما اطمأن المسلم إلى أن المراد الإلهي في الظنيات قد يكون مختلفًا باختلاف الظروف العينية، وأن الأفهام قد تختلف تبعًا لذلك، ولكنها لا تخرج عن أن تكون دينًا إلهيًّا، فإنه حينئذ سيكون أكثر اندفاعًا إلى معالجة أوضاع حياته المنقلبة بالزمن، بحلول تؤدي إلى تحقيق صلاحه. وهي في ذات الحين مشتقة من دين الله، الذي هو ما يتوصل إليه العقل بالاجتهاد. إلا أن هذا الموقف يستلزم قدرًا كبيرًا من الاعتصام بالإخلاص والتحري، دفعا لخاطرات الهوى الملحاحة في مثل هذا المقام، والتي إذا ما وجدت منفذًا إلى المجتهد صيرت أهواء الناس وأوهامهم دينًا إلهيًّا، يتدينون به في حياتهم.
وكأني بفكرة التصويب كانت الأكثر رواجا بين الأصوليين والفقهاء الأقدم زمنًا، فقد كانت تتلاءم مع الحركة الاجتهادية الفقهية، التي شهدت الازدهار، قبل القرن الخامس، لما في طبيعتها من دافعية للاجتهاد. وفي المصادر الأصولية، أن من المصوبة القاضي الباقلاني (ت 403هـ ) وأبا حامد الغزالي (تـ505هـ ) ، ومن قبلهما أغلب أصحاب لإمام الشافعي (تـ 204هـ ) وأبا الهذيل العلاف (تـ 235هـ ) وأبا علي الجبائي (تـ303هـ ) وابنه أبا هاشم (تـ 321هـ ) . فلما مال أمر الفقه إلى التقليد، أصبحت فكرة التخطئة أكثر رواجًا بين الأصوليين، لأنها أكثر تلاؤمًا في طبيعتها مع التقليد (5 ) .