أما الأحكام الظنية المنصوص عليها، أو الموجه إليها بالمقاصد العامة، فإن الأصوليين اختلفوا حيالها فرقتين"فقال قوم: كل مُجتهد فيها مصيب، وإن حكم الله فيها لا يكون واحدًا، بل هو تابع لظن المجتهد، فحكم الله في حق كل مجتهد ما أدى إليه اجتهاده، وغلب عليه ظنه" (1 ) . وعُرف هؤلاء بالمصوّبة لقولهم: بأن كل مجتهد مُصيب لحقيقة الدين باجتهاده، ومن بينهم الإمام الغزالي الذي يقول في تبني هذا الرأي:"والمختار عندنا وهو الذي نقطع به، ونخطئ المخالف فيه، أن كل مجتهد في الظنيات مصيب، وأنها ليس فيها حكم معين لله تعالى" (2 ) . وذهب آخرون إلى أن:"المُصيب فيها واحد، ومن عداه مخطئ ؛ لأن الحكم في كل واقعة لا يكون إلا معيّنا؛ لأن الطالب يستدعي مطلوبًا، وذلك المطلوب هو الأشبه عند الله في نفس الأمر" (3 ) . وعُرف هؤلاء بالمُخطِّئة لقولهم: بأن المجتهد الذي لا يصيب مُراد الله الثابت، فهمه خاطئ ولا يعتبر دينًا (4 ) .
وهذا الخلاف بين الوجهتين هو خلاف على مستوى نظري، يمكن أن يتحول على المستوى الفعلي إلى تضافر لترشيد الاجتهاد في الفهم، فيؤدي رأي المخطئة إلى التذرع بالمزيد من أسباب الحيطة وإفراغ الوسع في النظر، ويؤدي رأي المصوبة إلى رفع التهيب من الاجتهاد في الفهم، والركون إلى أفهام من سلف، ليتخذها الخلف دينًا، يجرون عليها حياتهم، من حيث قد لا تكون مناسبة لأوضاعها وملابساتها.