والأحكام القطعية هي أحكام معيّنة ثابتة، ينحصر الدين فيها في وجهها اليقيني الوحيد، فالناظر فيها لفهم الدين منها إن أصاب فهمه ذلك الوجه الوحيد فقد أصاب الدين، وإن أخطأه فقد أخطأ الدين وانحرف عنه وهو آثم بذلك. وعلى هذا المعنى فليس لأحد أن يتأول في الفهم، ما جاء في النصوص، من أحكام التعبد، أو أنصبة الميراث، أو أنواع الحدود ومقاديرها، فيصدر بمحصول مخالف لها في ثبوتها أو في كيفيتها، ثم يدعي أن محصوله ذاك من الفهم يندرج ضمن الدين الإلهي، ويبشر به ويجري حياته عليه على ذلك الأساس.
وهذا الرأي الذي يكاد يجمع عليه الفكر الإسلامي الأصولي، يجد مبرره في المحافظة على الثبات في أصول الدين، حتى لا تصبح الحقيقة الدينية عرضة للنسخ، بحجة الاجتهاد العقلي، الذي تهدر فيه الدلالة اللغوية أصلًا بتأول اليقيني منها، فلا يبقى إذًا للدين الإلهي رسم ثابت، ويمكن أن تحل محله شريعة عقلية خالصة، مع الادعاء بأنها إلهية. ولا يخفى أن هذا الأمر وقع شيء منه في تاريخ الفكر الإسلامي، متمثلًا على وجه الخصوص في تأولات الباطنية، التي أتت على كل حقيقة ثابتة في الوحي، واستعاضت عنها بأوهام إنسانية، ويقع شيء منه في التاريخ المعاصر، متمثلًا في باطنية جديدة تُسقط من الدين أحكامًا يقينية، بحجة التقادم الزمني، وتستعيض عنها بأحكام وضعية، على أنها مُرادٌ إلهي، توصل العقل إلى فهمه بالاجتهاد.