وبهذا الاعتبار فإنه يصبح من المهم في فهم الدين، أن تُعلم أولًا حقيقة الدين، في تراوحها بين المراد الإلهي في ذاته، وبين ما يحصله العقل بعد اجتهاده في فهم ذلك المراد، وذلك من خلال النص في مستوياته الثلاثة، الآنفة الذكر، فمعرفة هذا الأمر من شأنها أن تُسدد عملية الفهم، وأن تفصل بين ما هو دين، وبين ما هو خواطر إنسانية ذاتية.
وقد كان الفكر الأصولي الفقهي على وعي عميق بهذا الأمر، فخصص من بين مباحث الاجتهاد مبحثًا، ناقش فيه حقيقة الدين، هل هي حقيقة ثابتة معينة سلفًا، ومستقلة عن الفهم البشري، أو هي ثابتة في بعض القضايا، وتابعة للفهم الاجتهادي، بحيث يكون هذا الفهم هو المعين لها في بعض القضايا الأخرى؟ وعلى الرغم مما تفرعت إليه الأقوال في هذا المبحث، مما قد يبدو أوْغَلَ في التجريد، فإننا نحسب أن تناول أصل القضية بالمطارحة مُفيد في تسديد الفهم، الذي يؤدي إليه الاجتهاد، ولذلك تُرجم هذا المبحث في كثير من الكتب الأصولية بمبحث"الإصابة والخطأ في الاجتهاد".
وخلاصة آراء الأصوليين في هذه القضية، أن أحكام الله منها القطعي، مثل أصول العقيدة، وما علم من الدين بالضرورة، من أحكام الشريعة المنصوص عليها على وجه يقيني الدلالة، ومنها الظني، الذي يشمل الأحكام الشرعية المنصوص عليها على وجه يحتمل أكثر من معنى واحد، والأحكام التي يرد فيها نص ولكنها تندرج ضمن أصول الهدي العام.