الصفحة 60 من 233

ومن البيّن أن النوع الأول تعيّن فيه المُراد الإلهي، فليس للعقل البشري إلا أن يكون محصوله في الفهم مطابقًا لذلك المراد، أي مطابقًا لما تضمنه النص القطعي من دين. ولكن النوع الثاني والثالث على وجه الخصوص، بما بُنيا عليه من ظنية في حمل معاني الدين، فإن العقل لما يتوجه إليهما بغية الفهم للمراد الإلهي، حتى يُتخذ دينًا، قد يصيب ذلك المراد، وقد يُخطئه، بمقتضى الظنية، وحينئذ فأيهما يُعتبر دينًا، هل هو المراد الإلهي في حقيقته، أو هو المحصول الاجتهادي من الفهم، حتى وإن أخطأ ذلك المراد؟ أو أن ذلك المراد لا يكون في بعض الحالات محددًا سلفًا، وإنما يكون تبعًا للفهم الاجتهادي، فيصبح ذلك الفهم دينًا في أي صورة انتهى إليها الاجتهاد؟

وقد تبدو هذه المسألة غير ذات أهمية عملية، تتناسب مع الغرض الذي التزمناه من هذا البحث. ولكنها في الحقيقة ليست كذلك، نظرًا للمساحة المتسعة لما هو ظني من الدين، حيث تشمل أكثر الأحكام المصرِّفة لشؤون التعامل بين الناس، وضمنها تندرج الاجتهادات التي تبغي حلولا دينية لمستجدات الأوضاع في حياة الفرد والمجتمع، وهي في حال المسلمين اليوم متراكمة أشد ما يكون التراكم، تنتظر أفهامًا دينية، تجد على أساسها طريقها إلى الحل. إن هذه الحيثيات كلها تشدد من وجوب التحري في الاجتهاد لفهم الدين إلى حدوده القصوى، حتى لا يؤول أمر المسلمين إلى أن يتخذوا من خطرات العقل، وبنات الوهم، وثمرات الهوى، ما يحسبونه دينًا يبغون به الفلاح في مسيرة التحضر. وإننا لنرى اليوم من بين المنتمين إلى الإسلام من يتجاوز ما هو ظني من الدين، إلى ما هو قطعي منه، يبغي له تأويلًا عقليًّا بعيدًا عن حقيقته، ويحسب ذلك التأويل دينًا بل هو الدين، وفي هذا تندرج الدعوة إلى العلمانية، وإبطال الحدود، وإجازة الربا، في نطاق تفسير الإسلام بما يلائم العصر، وهذا إهدار للحقيقة الدينية من أساسها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت