وسنحاول فيما يلي أن نرسم ملامح أساسية لضوابط وقواعد عامة من شأنها أن تسدد عملية فهم الدين من النص، والملاحظ أن علماء أصول الفقه قد فصلوا القول في ضوابط الفهم وأسسه، ولكننا في هذا المقام سنعمد إلى عرض أسس كلية لا جزئية تفصيلية، وذلك لأن هذه الأسس الكلية هي التي دار عليها عبر تاريخ الفكر الإسلامي تضارب الأفهام، إلى ما يصل إلى التناقض أحيانًا، ولا يزال الأمر كذلك إلى يوم الناس هذا. وسنقدم بين يدي هذه الأسس مقارنة بين المراد الحقيقي من النص، وبين محصول الفهم البشري منه، فيما إذا كان هذا الفهم يعتبر دينًا، إذا كان متفاوتًا مع المراد الإلهي، ففي هذه المقارنة ما يساعد على بسط القول في ضوابط الفهم وأسسه.
1 -الدين بين المراد الإلهي وبين الفهم البشري:
لقد تضمنت نصوص الوحي الهدي الديني على مستويات مختلفة، فبعضها تضمن هذا الهدي بصفة قطعية في الدلالة، بحيث لا يمكن أن يفهم منها إلا وجهٌ واحد، هو المراد الإلهي على وجه اليقين. وبعضُها تضمن معاني بصفة ظنية في الدلالة، بحيث يمكن أن يُفهم منها أكثر من وجه واحد من الوجوه المحتملة. وبعضها لم يتضمن إلا إرشادًا عامًا مقصديًّا، ينير السبيل في المجالات، التي لم ترد فيها هداية نصية مباشرة.