ولهذا الاعتبار فإن فهم الدين من أصله النصي ليس بالأمر الهيّن الذي يحصل على نحو أقرب إلى التلقائية، كما يظن بعض الناس، بل هو أمر خطير الشأن، وخاصة إذا لا بسته ظروف من الضعف، في فقه اللغة العربية، وقوانينها في التعبير، أو من الميل إلى التعسف في استخراج المعاني من وعائها اللغوي، وقد وقعت من ذلك نماذج كثيرة في التاريخ الإسلامي، ويكفي أن نتبين في خطورة هذا الأمر أن الانحراف في الفهم يؤدي إلى التشرع بما لم يرده الله، مع ما قد يجره ذلك من ضلال وخسران، وخاصة إذا كان نتيجة تعجّل، لم يستفرغ معه الوسع في التبيّن والاجتهاد.
وليس فهم الدين من أصله النصي عملية آلية، يكفي فيها التحري في ملازمة ظاهر القوانين اللغوية، بل هي أعقد من ذلك بكثير. فالنص الديني نفسه، ورد يحمل من المعنى ما يناسب البشر جميعًا في كل مكان وزمان، باعتبار خاتمية الوحي فيه، وهذا ما يجعل المجموع النصي يحمل من كنوز المعاني، ما لا يستنفده فهمًا جيلٌ واحد من المسلمين، بل يمكن أن يكتشف فيه كل جيل ما لم يكتشفه الذي قبله، وذلك وجه من وجود إعجازه. كما أن لعملية الفهم علاقة بكسب العقل البشري من العلوم والمعارف، التي يكسبها من خارج دائرة النص، بل إن لها علاقة بذات الواقع الزمني في أحداثه وتفاعلاته، سواء ما كان منها من نزول الوحي، أو زمن عملية الفهم.