والقرآن والسنة القولية هما بيانات نصّيّة، جملت فيهما المعاني المعبرة عن المراد الإلهي، في وعاء من اللغة على اللسان العربي. وليست اللغة إلا رموزًا، تحمل المعاني من القائل إلى السامع، وهي رموز تشتمل على عمليتين معقدتين:
الأولى إفراغ المعاني في رموز اللغة من تلقاء القائل.
والثانية تحليل الرموز إلى المعاني المشتملة عليها من تلقاء السامع.وحينما تكون اللغة بشرية، فإن انتقال المعاني من القائل إلى السمع، عبر تينك العمليتين، من شأنه أن يصيب تلك المعاني بشيء من التفاوت، بين حقيقتها لدى قائلها، وبين صورتها التي تحصل عند سامعها. أو يجعلها على الأقل قابلة لأن تصاب بذلك التفاوت، وذلك لأن اللغة في حقيقتها الرمزية لا تحمل المعاني ولا تؤديها في كثير من الأحوال، إلا على سبيل الظن، مما يفسح المجال للاحتمال، والتأويل في المعاني المحمولة، وهو ما يكون به التفاوت المشار إليه آنفًا.
ولغة القرآن والحديث بلغت من حيث حملها المعاني، وتعبيرها عن المراد الإلهي، الحد الأقصى في الكمال، وهو ما بلغ في القرآن الكريم درجة الإعجاز، وبلغ في الحديث النبوي درجة عليا من البلاغة، إلا أنه مع ذلك تبقى العملية الثانية وهي تحويل معاني القرآن والحديث إلى أذهان القارئين والدارسين لهما عملية تحمل إمكان التفاوت بين المراد وبين الحاصل، وعلى الأخص في الشطر الذي يُعرف بظني الدلالة فيهما.