ورغم ما وقع منذ بداية النهضة الإسلامية الحديثة من محاولات لتحريك التراث، ودفعه إلى الفعالية الواقعية، فإن المتأمل اليوم في واقع المسلمين، في ملابساته المعقدة، المتطلع إلى التحول به نحو التدين الحق يُلفي أن هذا العمل الجلل لا يستطيع أن ينهض به فهم للدين، هو ذلك الفهم الذي يتضمنه التراث على الوضع الذي هو عليه الآن، في صيغته المدرسية المجردة، وأنه لا بد من نظر اجتهادي مستأنف، لفهم الدين فهمًا يُراد به معالجة الواقع، وهو نظر يلتزم ضرورة فحص التراث، واستيعاب ما ورد من أفهام ثرية، ولكنه التزام استفادة واسترشاد واهتداء، وليس التزام اتباع وتقليد لأفهام السابقين على سبيل الحتم المفروض، فإن ذلك لا يبرره شرعٌ، ولا ينصلح به واقع.
لقد عرضنا فيما تقدم، ملاحظات تتعلق بمصدر الدين الذي منه يُفهم، ومنه تؤخذ تعاليمه، متمثلًا في الوحي الإلهي، بصورتيه القرآن والحديث، مبينين خصائص هذا المصدر وأساليبه في عرض الحقيقة الدينية، ومعقبين بدور التراث في فهم الدين من مصدره، من حيث إن هذا التراث قد اعتبره بعضهم وسيطًا محتومًا، بين المجتهد في الفهم، وبين المصدر المجتهد فيه، فيما يشبه في ظاهره مشاركة للوحي في مصدرية الدين. وإنما عرضنا هذه الملاحظات لأننا اعتبرنا ما جاء فيها أساسيًّا في عملية الفهم نفسها، فكيف يتم فهم الدين من مصدره إذا لم يسبق العلم بخصائص هذا المصدر وأساليبه، وإذا لم يتم تمييزه مما اشتبه به، ولو في الظاهر عند بعض الناس؟
فهم الدين
تقرر لدينا أن مصدر الدين هو القرآن الكريم، والحديث النبوي الشريف. وإذا كانت السنة تشمل البيانات السلوكية العملية للنبي صلى الله عليه وسلم وإقراراته للأعمال التي يشهدها، فإن الأصل في الدين يبقى هو القرآن الكريم والسنة القولية، فهما المرجع الأول لكل من رام فهم الدين، والسنة الفعلية والاقرارية إنما هي تطبيقات مساعدة على الفهم.