الصفحة 55 من 233

وقد أصبحت هذه الصورة للتراث هي السائدة في ساحة الفكر الإسلامي، طيلة القرون الماضية، وتُنوسي أو كاد ذلك الوجه الأول، الذي كان عليه في حال واقعيته وحيويته، في مجاله الزمني وظروفه وملابساته الخاصة، مما كان يُمكن أن يمثل عامل توجيه واقعي، بذكر الذهن الإسلامي بالواقعية في غمرة تجريده، كما أصيب بالإهمال شق من التراث الفقهي، ظل على مر الأيام أكثر التصاقا بالواقع ، حتى في عهود التقليد والجمود، وهو لمتمثل في مدونات النوازل والفتاوى، التي كانت معبرة عن هموم واقعية، وأصلة في فهم الدين بين الأصل المجرد وبين الواقع المعاش، ولكنها لم تجد مكانتها إلى جانب الفقه المدرسي المجرد.

وقد ازدادت هذه الوضعية للتراث تجريدًا وانقطاعًا عن الواقع لما قٌدِّر للعالم الإسلامي أن تغزوه الثقافة الغربية، فتنأى بكثير من مظاهر حياته عن مقتضيات الفهم الديني المسجل في التراث، ليس على مستوى التأثر السلوكي فقط، بل على مستوى التقنين التشريعي في مجالات كثيرة من التعامل الاجتماعي والاقتصادي، فأصبح التراث بذلك لا ينأى عن لواقع في مستوى تطويره وحل مشاكله فحسب، بل يقصر عن الفعل فيه، ولو في صورته التجريدية القائمة على التقليد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت