الصفحة 54 من 233

ولكن هذا المسار الاجتهادي الواقعي الحي أصابه بعد حين من الزمن انتكاسٌ، أخل بخاصية الواقعية والحيوية فيه، وذلك حينما آل النظر في الدين لفهمه، إلى الاقتصار على التوسط بالأفهام السابقة، وهو ما يطلق عليه اسم التقليد، وانكفأ بمرور الزمن التعامل المباشر مع أصول الدين، من القرآن والحديث، ليصبح التعامل منصبًّا على التراث اقتصارًا عليه في فهم الدين من خلاله.

واقتضى هذا الوضع الجديد، الذي استقر عليه المسلمون، في أحوال غالبة، بعد القرن الخامس، أن يعمد المهتمون بالفكر الإسلامي المفسر للدين، إلى أقوال السابقين وأفهامهم واجتهاداتهم، التي صاغوها ضمن سياقها الواقعي الحي، كما تبدو في مؤلفاتهم، فجردوها من ذلك السياق، وأخضعوها للعقل المجرد، ترتيبًا وتبويبًا وتفصيلًا، تهيئة لها بذلك لغاية مدرسية، يسهل بها التصور والاستيعاب، يساعدهم في هذا التجريد ما غلب على الفكر الإسلامي بعد القرن الخامس من منهجية المنطق الأرسطي الصوري، حتى غدا الناظر في كتب الفقه، وعلم الكلام خاصة، وما يتعلق بالشروح الدينية عامة، يلفي هذا التراث قد صيغ في مجمله صياغة تعليمية مجردة، تقدم فيها أفهام الدين بصفة يتعامل فيها العقل مع الحقيقة الدينية المطلقة، دون مراعاة للواقع البشري، الذي سيكون مسرحا للتأثير الحي فيه، ودون توجيه لها نحو غايتها التي هي غاية الدين أصلًا، وهي توجيه الحياة في ظروفها وملابساتها المختلفة نحو الأصلح والأفضل. وتتبدى هذه ا لصورة في وضوح وجلاء في تلك الشروح والمختصرات الفقهية وتلك التقريرات الكلامية، التي سادت في القرن الثامن وما بعده، والتي آل كثير منها إلى ما يشبه الرموز والإشارات، من فرط النزعة التجريدية فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت