ويتبين من هذا أن إلزامية التراث في فهم الدين ليس لها سند شرعي، بل إن الأصل الشرعي هو الفهم المباشر، دون واسطة من أفهام أخرى، إلا عند الضرورة إلى ذلك، فيما يشبه الرخصة المستثناة من أصل العزيمة. ولا يخفى أن كلامنا هذا منصب على أصل الفهم، فيما لكل إنسان أن يصدر به بعد التروي في أصول الدين، وأن يعلن عنه في حرية رأي، أما التطبيق السلوكي لذلك الفهم فهو أمر آخر، غير هذا الأمر، تنضبط مسالكه بحسب طبيعة الأفهام، فيما إذا كانت فردية فتخضع لمشيئة الفرد، أو جماعية فتخضع للتنظيم الجماعي، فإذا كان للمجتهد أن يصدر بالفهم الذي يرتئيه في كل من أحكام الصوم، وشؤون السياسة والحكم، وأن يعلن عنه في حرية، فإنه ليس له أن يتصرف في الثاني منهما، بمقتضى فهمه الخاص، مثلما يفعل في الأول لما له من علاقة بالأمة جمعاء.
وأما فيما يتعلق بالوضع الحالي للمسلمين، مقارنًا بالصورة التي وصل عليها التراث. فإنه لا يخفى أن المسلمين في الأجيال الأولى عكفوا على أصول الدين بالنظر الاجتهادي، لفهم مدلولاتها في مختلف مناحي الحياة، وصدروا من ذلك النظر أفهام متفاعلة مع واقع الحياة، التي كانوا يعيشونها، فطوروا من ذلك الواقع بما نشأت منه الحضارة الإسلامية العظيمة في وجهيها المادي والمعنوي. وظلت الأفهام الدينية الناشئة من النظر الاجتهادي موصولة بالواقع، متفاعلة معه، مطورة له، على نحو ما نقف عليه في مؤلفات الأئمة من أهل القرون الأربعة أو الخمسة الأولى في الفقه خاصة، وفي التفسير والفكر العقدي، تلك التي إذا ما وضعناها في إطارها الزمني ألفيناها تنبض حياة، وتزخر بقوة الدفع إلى الأفضل، بما تحل من مشاكل الواقع، وتقترح من صور التطوير والتجاوز نحو الأفضل.