وفيما عدا هذه الأفهام الثابتة، من سائر ما هو ظني من التعاليم الدينية، فإنه يمكن القول: إن التراث فيها - أي أفهام السابقين - غير ملزم للاحقين في اجتهاداتهم لفهم الدين، بل لهؤلاء حق النقض والتعديل والترجيح، فيما ورد في التراث، من اجتهادات سواء الاجتهادات المتعلقة بالاستنباط الفقهي، أو المتعلقة بتأويل مفاهيم العقيدة، أو المتعلقة بشروح النصوص القرآنية والحديثية أصلًا، بل لهم حق الابتكار لأفهام لم ترد على أذهان السابقين، والاستعاضة بها عما أثر عنهم من تفاسير واستنباطات وتأويل. وقد أفاض المنتصرون للاجتهاد الرافضون للتقليد في الاستدلال على هذا الموقف المعارض لإلزامية التراث في الفهم الديني (27 ) ، ونؤكده في هذا المقام بدليلين، يتعلق أحدهما بأصل التكليف، ويتعلق الثاني بالوضع الحالي للمسلمين، مقارنا بالصورة التي وصل عليها التراث إليهم، عبر أطوار صياغته المختلفة، وما حف بها من ظروف وملابسات.
أما ما يتعلق بأصل التكليف فإن الخطاب الديني هو خطاب تكليفي مباشر لكل إنسان، وهذا ما يقتضي أن يتحمل كل إنسان مسئوليته الفردية، في تحمله للدين، الذي ينطلق ابتداء من فهمه، فيكون الفهم مسؤولية فردية على هذا المعنى، والوضع الأصلي هو أن يكسب الإنسان معدات الفهم لهذا التكليف الفردي، فإذا لم يكن متمكنًا من ذلك واحتاج إلى أن يتذرع بأفهام آخرين، فذلك وضع استثنائي، لا ينبغي أن يتحول إلى معنى من الالتزام بأفهام أولئك الآخرين، وهو في موضوع الحال الالتزام بالتراث. وعلى هذا الأساس، فإن مقتضى الخطاب التكليفي يمنع من أن يكون التراث ملزمًا في فهم الدين، كمبدأ عام، ولا نظر هنا إلى الحالات التي لا تتوفر فيها قدرات الفهم، فهي الحالات العارضة التي تعالج بقدرها ولا ينبني عليها أصل عام.