الصفحة 51 من 233

هل يعني ما قلناه سابقًا، من أنّ الوقوف على التراث ضروري في فهم الدين، أن هذا التراث بما وردت فيه من أفهام يمثل إلزاما للاّحقين، بحيث لا تجوز مخالفته بأفهام مناقضة أو موازية أو معدلة؟ إننا لم نقصد بالضرورة التي حددناها آنفًا إلا المقتضى المنهجي في البحث عن الحقيقة، وهو ما يقصر معنى الضرورة على الاسترشاد بالتراث، والاستنارة به عند الاجتهاد في فهم الدين، وهذا يعني أن إلزامية التراث على معنى وجوب التزام اللاحقين، بما توصل إليه السابقون من الأفهام، كليًّا أو جزئيًّا هي قضية أخرى غير قضية الضرورة السابقة الذكر.

وقد أثيرت قضية إلزامية التراث هذه فيما عرف في تاريخ الفكر الإسلامي، بقضية الاجتهاد والتقليد. فالنزعة التي ظهرت منادية بغلق باب الاجتهاد، والتزام التقليد، هي نزعة ترى أن التراث ملزم في فهم الدين، والقائلون بالاجتهاد المتجدد لا يرون إلزامية التراث في ذلك، إذا اللاحقون غير مقيدين بأفهام السابقين وآرائهم.

ومن البين أن الحديث في هذا الموضوع لا يشمل تلك الأفهام الثابتة، التي التزمها المسلمون على تعاقب أجيالهم، مما دلت عليه النصوص الدينية بطريق القطع، فإن توافق اللاحقين فيها مع السابقين ليس توافقًا مبنيًا على الالتزام بأفهامهم، وإنما هو توافق أدت إليه الدلالة القطعية، التي لا يرتد النظر الاجتهادي منها إلا بوجه واحد من الفهم، على اختلاف المجتهدين وتباين العصور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت