ومنها أن الجهود التي تبذلها الأمة على مر الزمن في تفهم دينها تمثل وحدة مترابطة الحلقات، فموضوع البحث واحد في ثبات وهو نصوص الدين والاجتهادات في فهمه ينبني بعضها على بعض إما بالتكميل وإما بالتعديل، وهكذا بنيت العلوم الإسلامية كلها من فقه وتفسير وتوحيد وغيرها، فهي ليست إلا أفهامًا للدين، تنامت بمرور الأيام، ونضجت على محك النقد والتجربة، فأصبحت رصيدًا للأمة في مسيرتها الدينية إلى آخر الزّمن.
وبناء على هذه الاعتبارات، فإن الدعوة إلى إسقاط التراث كله بصفة مبدئية، والتوجه مباشرة إلى مصدر الدين من نصوص القرآن والحديث لبناء فهم ابتدائي منهما لا علاقة له بالتراث هي دعوة تُلغي شطرًا كبيرًا من الشروط الموضوعية، التي يتوقف عليها فهم حقيقة الدين الفهم الصحيح، من حيث إنها تستبعد من العمل الاجتهادي في الفهم تجربة ثرية في ذلك، تنامت طيلة قرون، وخبرتها العقول والتطبيقات الواقعية جيلًا بعد جيل.
وقد قامت في تاريخ الفكر الإسلامي حركات عدة تدعو إلى الاجتهاد ونبذ التقليد بالرجوع المباشر إلى مصدر الدين في استنباط الحلول لمستجدات الأحداث (26 ) ، ولكنها لم تكن حركات داعية إلى قطع الصلة بالتراث وإسقاطه من الاجتهاد في الفهم، كما تدعو إليه اليوم بعض الاتجاهات المعاصرة، بل هي حركات تصحيحية، تهدف إلى إصلاح ما وقع أحيانًا، من إغراق في العكوف على التراث والاقتصار عليه في فهم الدين، انقطاعًا في ذلك عن النظر في الأصل الذي هو نصوص القرآن والحديث. وتصويب مسيرة الاجتهاد في الفهم، التي يقتضي وضعها الصحيح أن يكون الأصل هو المنطلق في الفهم، ويكون التراث هو المساعد على ذلك، وهو مساعد ضروري من ا لناحية المنهجية الموضوعية.
( ج ) هل التراث ملزم في فهم الدين؟: