الصفحة 49 من 233

وبهذا الاعتبار فإنّ فهم الدين جهد متواصل، من قِبل أجيال الأمة لا يتوقف، ولا يمكن أن يُدّعى في زمن من الأزمان أن تعاليم الدين قد استنفدت جهود الفهم، فليس للأحق أن يضيف اجتهادًا جديدًا فيه؛ وذلك لأنّ الاجتهاد في فهم الظّنّي يقوم على معطيات وقرائن يرجع بعضها إلى ذات البنية النّصية، ويرجع بعضُها الآخر إلى ما هو خارج عنها، من مكشوفات الحقائق في الكون والحياة، وهي معطيات متجدّدة متنامية، ممّا يجعل الاجتهاد في الفهم، وما ينشأ عنه من نتائج متجددة متنامية أيضًا.

ومن المعطيات الأساسية في الفهم، الاجتهادات السابقة فيه، فإن تلك الاجتهادات، فيما اعتمدته من منهج، وفيما توصّلت إليه من نتيجة، تعتبر من الناحية الموضوعية أساسًا ضرورياّ لمعاودة النظر المستجد من أجل الفهم، كما يعتبر إلغاؤها بصفة مبدئية واستبعادها كأداة من أدوات الاجتهاد المتجدد إخلالًا بشرط أساسي من شروط البحث عن الحقيقة، وهذا المعنى تؤيده وتؤكده في موضوع الحال مؤيّدات ومبرّرات عديدة.

ومن هذه المؤيدات أن الأجيال الإسلامية الأولى كانت أقرب إلى الظروف التي نزل فيها الدّين، وأقرب إلى اللسان الذي نزل به، فتوفرت بذلك على حظوظ للفهم لم تتوفّر عليها الأجيال التي جاءت بعدها، مما يعتبر عاملًا يدعو على وجه الضرورة المنهجية إلى الوقوف على ما توصلوا إليه من أفهام.

ومنها أن أفهام السابقين قد تعرضت عبر الزّمن للاختبار، إما بما يصيبها من النقد والتصويب والتعديل من قبل العلماء والباحثين، وإما بما تمر عليه من محك الواقع، عند أيلولتها إلى التطبيق، فيؤدي ذلك في كثير من الأحيان إلى إظهار مدى صوابها في موافقة المراد الإلهي ، ومن ثمة يكون الرجوع إليها ضروريًّا في كل اجتهاد لاحق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت