الصفحة 48 من 233

وممّا نخرجه من مدلول التّراث بالمعنى الذي سيكون محل درسنا في هذا البحث تلك الإفهام التي وقع عليها إجماع من المسلمين، وخاصّة تلك التي وقع عليها إجماع من الصحابة، فإن إجماعهم على فهم معيّن لمدلول قرآني أو حديثي (25 ) يجعل ذلك الفهم بالغًا من القطيعة مبلغًا يخرج به من الدّائرة التي تمكن فيها المراجعة البشرية اللاحقة، ويلتحق بالقرآن والحديث في تنزههما عن الاعتراض والتعقيب. ومبرّر ذلك أن الصحابة رضي الله عنهم قد شهدوا نزول الوحي، وحضروا ظروفه وأحواله، ورافقوا أسبابه ومناسباته، وتوفّر لهم من التمكن، في لسان العرب وأساليبه، ما لم يتوفر لغيرهم، فإجماعهم على فهم معيّن، وهم على هذه الحال، يرقى بذلك الفهم إلى درجة من اليقين، بأنه هو المراد الإلهي، لا تحتمل المراجعة، ولذلك أجمع المسلمون على أنّ الإجماع هو المصدر الثالث للتشريع. وبهذا المعنى نخرجه من دائرة التراث، في سياق حديثنا عن التراث وفهم الدين.

( ب ) ضرورة التراث في فهم الدين:

إذا كان القطعي في دلالته وثبوته من الدين، يمثل القدر الثابت الذي لا تختلف فيه الأفهام على مرّ الزمن، فإن الظّنّي منه - وهو متّسع المجال - ينفسح فيه النظر، ليرجع باجتهادات قابلة لأن تختلف فيها الأفهام، بمقتضى الظنية. وليست المذاهب الإسلامية المختلفة إلاّ مظهرًا لاختلاف الأفهام، فيما هو ظنّي من نصوص الدين. ويضاف إلى ذلك مجال أوسع للاختلاف، حينما يكون الاجتهاد متجهًا للبحث فيما لا نصّ فيه من المُراد الإلهي، فحينئذ تكون وجهات النظر، أكثر عرضة للتباين، لتوسع مجال التقدير وإطلاق معطياته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت