إنّ هذه الأساليب الثلاثة في ع رض الحقيقة الدينية تقوم في أدائها للمعروض على قواعد وضوابط، بعضها يرجع إلى قانون اللسان العربي في الدلالة، وبعضها يرجع إلى العلاقة بين النصوص قرآنًا وحديثًا، وبعضها يرجع إلى العلاقة المنطقية بين الكلّ والجزء، والعام والخاصّ، واللازم والملزوم، من الحقائق المعروضة. وهي بضوابطها وقواعدها المختلفة في الأداء تتضافر على تبليغ الدين إلى الإنسان، وهو في تحمل هذا المضمون فهمًا واستيعابًا لا بدّ أن يكون على بيّنة من تلك القواعد والضوابط، حتى يتم له فهم الدين على أساس متين.
3-قيمة التراث في فهم الدين.
ليس في النظام الإسلامي طبقة كهنوت، يعهد إليها على وجه التخصيص بفهم الدين وتفسيره، كما في أغلب الأديان، بل فهم الدين من مصادره قدر مشترك بين المسلمين جميعًا، لا يشترط فيه إلا تحصيل الوسائل الموضوعية اللازمة للفهم. وقد كان هذا المبدأ مُفضيًا إلى نشوء ثروة عظيمة، من الشروح والتفاسير لحقيقة الدين، تنامت عبر الزمن، وأصبحت تُراثًا يتناقله المسلمون جيلًا عن جيل، ويُسهم في إثرائه العلماء والباحثون على اختلاف وجهاتهم ومذاهبهم دون تحديد. ومن المسائل التي ينبغي طرحها في قضية فهم الدين، دور هذا التراث في الفهم، فهل أفهام السابقين وتفاسيرهم ضرورية في مساعي اللاحقين للفهم؟ وإذا كانت ضرورية، فهل هي ضرورة استئناس أو هي ضرورة إلزام؟ ذلك ما سنحاول طرقه فيما يلي، بعد التحقيق في مدلول التراث الذي سيكون موضوع البحث.
( أ ) مدلول التراث: