وقد جاء البيان الإلهي في الإرشاد إلى المقاصد الشرعية، على أنحاء متفاوتة، في وضوح العرض لتلك المقاصد. فقد تُعْرَض تلك المقاصد مستقلّةً بذاتها، في وضوح وجلاء، كما في قوله تعلى: (( يريد الله بِكُم اليُسر ولا يُريد بِكم العُسر ) ) [البقرة: 185 ] ، في الدّلالة على مقصد التيسير ورفع الحرج، وكما في قوله صلى الله عليه وسلم:"لا ضَرر ولا ضِرار" (23 ) . في الدّلالة على مقصد رفع الضّرر عن الإنسان. وقد تُعرض مُضمّنةً في الأحكام، بالإشارة إلى عِلل المر والنّهي فيها، كما في قوله تعالى: (( ولكن في القِصاص حياةٌ يا أولى الألباب ) ) [البقرة: 179 ] في الدلالة على مقصد حفظ الحياة، الذي جٌعل علّة لحكم القِصاص، وكما في قوله تعالى: (( إنّما يريدُ الشيطان أن يُوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخَمْرِ والمَيْسِر ِ ) ) [المائدة:91 ] في الدّلالة على مقصد التآلف والتآخي، الذي جعل علّة لتحريم الخمر والميسر. وقد تُعرض بطريقة غير مباشرة، بأن تكون علّة مبنيّة عليها الأحكام في غير تصريح بها، وإنّما تُعرف بملاحظة ذلك الأنبياء ، عبر الاستقراء للعديد من الأحكام، فيحصل اليقين بأنهما قائمة على علّة واحدة هي مقصد الشارع، وذلك مثل ما جاء من النهي عن بيع الطعام قبل قبضه، والنهي عن بيع الطعام بالطعام نسيئة، والنهي عن الاحتكار، فاستقراؤها يفضي إلى أنها دالة على علّة مشتركة هي رواج الطعام، وتيسير تناوله، وهو مقصد للشارع (24 ) .