الصفحة 43 من 233

وقد كانت هذه السنة منهجًا مرعيّ من قِبل فقهاء الصحابة، والمجتهدين من الأئمة، فعمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يتشدّد في أن تروى الأحاديث النبوية، حتى تقع الحاجة إليها في مُستجدات النّوازل، مع الحرص على أن يكون ما يروى منها مؤدىً كما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، مبيّنًا فيه الحال الذي صدرت فيه، وذلك حتى يتبيّن ما هو جزئي، ممّا هو عام، فلا تحمل أحوال الناس العامة على ما هو جزئي محدّد. وقد كان الإمام مالك رضي الله عنه يكره أن تُكتب عنه الفتاوى، كما يكره أن تفترض ا لنوازل افتراضًا لتطبق عليها أحكام قد لا تكون مناسبة لها من حيث الجزئية والكلية وذلك كله لغرض أن لا يقع تقييد تصرفات الإنسان، التي من شأنها التغيّر، بأحكام وضعت في أصلها لما هو ثابت مستقر من أحواله، فينشأ الحرج الذي يُعيق سعيه في النمو الحضاري (21 ) .

( جـ ) الهدي المقصدي: قد لا يكون الهدي الديني متمثلًا في إرشاد مباشر، يتناول بالبيان ما ينبغي أن يُفعل، وما ينبغي أن يُترك، من الأفعال الجزئية أو الكلية، وإنما يكون توجيهًا عامًا يرشد إلى ما يريده الله تعالى، من قانون عام ينبغي أن تنتظم عليه أفعال الإنسان كلها، وذلك من حيث إنّ الشريعة الإلهية مبنيّة في أوامرها ونواهيها للإنسان على مقاصد تهدف إلى تحقيقها في حياته. فهذا الهدي هو إرشاد إلى تلك المقصاد، لا إرشاد إلى كيفية جريان الأفعال في ذاتها.

ومن البيّن أنّ هذا الأسلوب في الهدي أعم من الأسلوبين السابقين، إذ هو مشتمل عليهما بجريانهما على أساسه، من حيث إنّ كلّ حكم جزئي أو كلّي جار على أساس من مقاصد الشارع، كما أنّه مستقلّ دونهما بالإرشاد فيما لم يرد فيه حكم من أفعال الإنسان المستجدّة، فإنها ينبغي أن توجّه بمقتضى مقاصد التشريع، التي جاءت في هذا الأسلوب في الهدي الإلهي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت