الصفحة 42 من 233

وإنما كان الهدي كليًّا في أكثر هذه الأحوال، لتكون الأحكام متسعة لصور متعددة من الأفعال، تكون ملائمة لمصلحة الإنسان في مختلف منقلبات حياته، فيتخذ منها ما يحقق المصلحة بحسب الظروف، وتكون كلها جارية على أساس من التدين لاندراجها ضمن الحكم الإلهي؛ وذلك لأن الإنسان إذا كان في سلوكه التعبدي، وفي شطر كبير من حياته الأسرية، ينزع إلى الثبات والاستمرارية، استجابةً لثبات فطرته واستمراريتها، فكانت أحكام الدين المتعلقة بها يغلب عليها الضبط والتحديد، فإنه في تصرفه الاجتماعي، وفي مناشطه التعميرية، تطوح به الظروف المتغيرة إلى أوضاع مختلفة، يحتاج لها إلى التغيير في نمط الاستجابة، لتحقيق مصلحته في كل تلك الأوضاع؛ ولذلك كان التشريع المتعلق بتلك التصرفات والمناشط مصوغًا على هيئة من الكلية تسع ذلك التغيير، وهذا أحد المعاني الأساسية، لمقولة إن شريعة الإسلام صالحة لكل زمان، فمقتضاه"أن تكون أحكامها كليات ومعاني مشتملة على حكم ومصالح صالحة لأن تتفرع منها أحكام مختلفة الصور متحدة المقاصد" (18 ) .

ومما يتناسب مع هذا الهدي الكلي، ويدعم أن يكون هو الأسلوب الغالب في البيان الديني، ما جاء في السّنة النبوية من تجنب للتفريع في الأحكام، ونزوع إلى التعميم فيها. فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يكره المسائل في الأحداث الجزئية بحثًا عن الحكم الشرعي فيها، حتى إنه قال في ذلك:"أعظم المسلمين جرمًا من سأل عن شيء لم يحرّم فحُرِّم من أجل مسألته" (19 ) ، كما قال أيضًا:"إن الله فرض فرائض فلا تضيّعوها، وحدّد حدودًا فلا تعتدوها، وحرّم أشياء فلا تقربوها، وترك أشياء عن غير نسيان فلا تبحثوا عنها" (20 ) . وهذا يدل على أن التشريع النبوي منصرف عن التضييق في الأحكام، حتى تصبح متناولة للجزئيات من الأفعال، إلى البيان الكلي الذي يكون فيه فسحة للتلاؤم مع متغيرات الظروف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت