وفي هذا الهدي تتسع الأحكام الشرعية، فيما تشمله من أفعال الإنسان، بما يكون الحكم موجهًا لها في مستوى أجناسها العالية المشتملة على صور وأنواع عديدة من أفعال، تندرج كلها تحت الحكم، باندراجها في الجنس الذي جاء يهديه. وباتساع الأحكام بمقتضى هذا الأسلوب، تنفسح مجالات تطبيقها لتغطي القدر الكبير من تصرفات الإنسان، في النطاق الفردي والاجتماعي والزمني. ومثال ذلك أن تحريم الظلم حكم شرعي، يتسع ليشمل في هدي الإنسان كل أنواع الظلم، التي تصدر من الفرد، أو من المجموعة، وفي كل زمان ومكان، مهما تغيرت أشكالها وتبدلت مظاهرها.
وأكثر ما يكون هذا الهدي الكلي في أحوال المعاملات بين الناس، وفي تصرفات الإنسان العمرانية، وهو ما قرره الشاطبي في قوله:"كل دليل شرعي ثبت في الناس مطلقًا غير مقيّد، ولم يجعل له قانون ولا ضابط مخصوص فهو راجع إلى معنى معقول وُكِل إلى نظر المكلّف، وهذا القسم أكثر ما تجده في الأمور العادية التي هي معقولة المعنى، كالعدل والإحسان والعفو والصبر والشكر في المأمورات، والظلم والفحشاء المنكر والبغي ونقض العهد في المنهيات" (17 ) .