الصفحة 39 من 233

وتناول البيان التفصيلي أكثر ما تناول أعمال الإنسان القلبية والسلوكية، التي يقلّ فيها حظ العقل من التقدير المفضي إلى معرفة الحق، لما هي منتسبة إليه من مجال، ليس من طبيعة العقل البحث فيه، وخاصة على سبيل التفصيل. ويتعلق الأمر في هذا بأعمال القلوب في الاعتقاد بالغيبيات، وأعمال الجوارح في السلوك التعبدي، فقد جاء بيان الوحي فيهما على درجة من الضبط والتفصيل؛ وهو ما أشار إليه الإمام الشاطبي في قوله:"كلّ دليل ثبت فيها (أي في نصوص الوحي ) مقيدًا غير مُطلق وجٌعِل له قانون وضابط فهو راجع إلى معنى تعبدي، لا يهتدي إليه نظر المكلف لو وكل إلى نظره؛ إذ العبادات لا مجال للعقول في أصلها، فضلًا عن كيفياتها، وكذلك في العوارض الطارئة عليها، لأنها من جنسها، وأكثر ما يوجد في الأمور العبادية" (12 ) .

ومن أسباب شيوع التفصيل في المجال التعبدي، ما ذكره ابن عاشور من"أن العبادات مبنية على مقاصد قارّة، فلا حرج في دوامها ولزومها للأمم والعصور، إلا في أحوال نادرة تدخل تحت حكم الرخصة" (13 ) . ولعل هذا السبب نفسه كان به للبيان التفصيلي حظ في أحوال الأسرة، إذ هي مُرشّحة بحكم الفطرة الإنسانية العامة المستقرة لأن تجري فيها أساليب التعامل على قدر من الدّوام، الذي يستلزم أحكامًا دينية تنزع إلى الضبط والتفصيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت