ومن أسلوب التعميم، ما جاء من أمر بالعدل في التعامل بين الناس، إذ يقول تعالى: (( إنّ الله يأمُرُ بالعدلِ والإحسان وإيتاء ذي القربى ) ) [النحل:90 ] . فالعدل المأمور به هو وصف ضابط لجنس واسع من أعمال الإنسان، وهو يشمل الميراث الذي فصلت كيفيته في الأسلوب الأول. ويشمل غيره من سائر الأعمال التي يكون فيها تعاملٌ بين الناس.
ومن أسلوب البيان المقصدي قوله صلى الله عليه وسلم:"لا ضرر ولا ضِرار" (11 ) ، فإنه بيان لمقصد من مقاصد الشريعة التي تندرج تحتها كلُّ الأفعال أعيانًا وأنواعًا وأجناسًا، ما كان منها مبيّنًا بأسلوب التفصيل، مثل ميراث الأبناء، أو مبيّنًا بأسلوب التعميم، كالأعمال التي تحقق العدل، أو ما لم يتناوله بيان بذينك الأسلوبين مما يمكن أن يستجد في حياة الإنسان عبر الزمان.
ولهذه الأساليب الثلاثة، التي ورد بها الوحي في بيان الدين قواعد وضوابط في ذاتها، كما أنها تنطوي على حكم عظيمة، في مراوحتها بين التحديد والتوسيع، مما يفسح المجال للإنسان ليمارس التدين في مختلف ظروفة وأوضاعه، فهي لذلك أصل من الأصول التي يتوقف عليها الفهم ا لموفّق لأحكام الدين، وهو ما يدعونا إلى أن نتناولها فيما يلي بشيء من التفصيل على النحو التالي:
( أ ) الهدي التفصيلي: ورد هذا الأسلوب في كل من القرآن والحديث، ولكن وروده في الحديث أكثر؛ وذلك لأن الحديث مفسر للقرآن فيما جاء من كلياته، كما أنه ألصق بأحداث الواقع وحيثياته، فكانت لذلك طبيعته قابلة لأن يكون أكثر تفصيلًا. ولكن في القرآن والحديث معًا لا يشمل ما ورد فيهما من الأحكام التفصيلية إلا قدرًا قليلًا من أعمال الإنسان، أما أكثرها فلم يتناوله التفصيل بل تُرك للتعميم.