الصفحة 37 من 233

وثانيهما أن للإنسان قدرة على إدراك الحقيقة ذات حدود معينة، ومجالات محدودة، كما أنه في حياته عرضة لمنقلبات في الزمان والمكان، تجعله لا يثبت في تحقيق مصلحته على نمط معين من السلوك، في مواصفات مشخصة، وإن كان يثبت في ذلك على الأجناس العليا، كالعدل والأمانة، وما كان في حكمها على هذين الاعتبارين: شمول الحكم الإلهي لأفعال الإنسان كلها، وواقع الإنسان في قردته الإدراكية، وظروف حياته المتغيرة، انبنت أساليب الوحي في الهدي إلى المراد الإلهي، فيما ينبغي أن تكون عليه حياة الإنسان.

وتتنوّع هذه الأساليب إلى ثلاثة أنواع أساسية مترددة في الإرشاد إلى الحقيقة، بين التفصيل، وبين الكلية والتعميم، حتى ليمكن أن نرتبها على النحو التالي: الهدي التفصيلي، والهدي الكلي، والهدي المقصدي.

إن هذه الأساليب الثلاثة تنتظم في دوائر متواسعة، يندرج الأصغر منها في الأكبر. فثمة أحكام نُزع فيها إلى التفصيل في البيان، والضبط المقيد لكيفية الفعل، حتى يكون جاريًا بحسب الهدي الديني. وثمة أحكام أخرى نُزع فيها إلى التعميم فتناولت بالأمر والنهي أجناس الأعمال دون تفاصيلها وكيفياتها، وهي بصفة جملية، تشمل النوع الأول، وتنفسح لغيره مما لم يقع تفصيله. وثمة أحكام ثالثة، بلغت من التعميم بحيث أنها لا تتناول أفعالًا بأعيانها ولو في مستوى أجناسها، وإنما هي تحدد المقاصد العامة، لما ينبغي أن تكون عليه أعمال الإنسان عامة، وهي بذلك تعم النوعين الأولين من الأفعال، وتنفسح إلى غيرها مما لم يرد فيه حكم لا على سبيل الضبط ولا على سبيل التعميم.

وعلى سبيل التمثيل، فإن من أسلوب الضبط والتحديد ما جاء في تحديد الميراث في قوله تعالى: (( للذَّكَرِ مثل حظِّ الأنثيين ) ) [النساء:11 ] ، فهو بيان مفصل لكيفية ميراث الأبناء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت