( و ) الوحي ممحّض للحكم في أجناس الأفعال الإنسانية المجردة، من حيث إن الأمر والنهي فيه يتعلقان في الخطاب بصفة مباشرة بجنس الفعل، كأن يتعلق النهي بالسرقة، والأمر بالأمانة. أما الأفعال الجزئية المشخصة بظروف المكان والزمان، مما قام به زيد من سرقة، أو عمرو من أمانة، فإن الوحي يتعلق بها بواسطة النظر العقلي، حيث يتم إرجاعها إلى أجناسها التي تعلق بها الوحي مباشرة، لمّا يقع التحقق من أنها مناطة بالجنس المعين، الذي شمله الحكم المعين، كأن يقع النظر العقلي في معاملة مالية قامت بها أطراف معينة، في زمن ما وبأوصاف معلومة، فيظهر بذلك النظر أن تلك المعاملة من جنس الربا، فيتعلق بها إذًا حكم المنع، وإنما تعلق بها ذلك الحكم بواسطة نظر العقل، لا بصفة مباشرة، كما تعلق بالربا الذي هو جنس عام (7 ) .
وتعلق الوحي في أحكامه بأجناس الأفعال، قد يكون على وجه قطعي في الدلالة، بحيث لا يمكن أن يشتمل النص عند تقليبه على وجوهه، إلا على ذلك الحكم، ولا يمكن أن يفهم منه إلا هو، وقد يكون ظني الدلالة، بحيث يكون النص محتملًا لأكثر من حكم،ويكون ترجيح أحدها بنظر عقلي، في نطاق ما يسمح به قانون الّسان العربي.
( ز ) إن الوحي قرآنًا وحديثًا نزل منجمًا على زمن متطاول، وكان نزوله بحسب مناسبات، من أحداث ووقائع زمنية، في البيئة التي نزل فيها. وأحكام الوحي وإن كانت عامة كما ذكرناه آنفًا إلا أن الاعتبارات الواقعية لنزولها عنصر مهم في فهمها؛ إذ هي في منزلة القرائن والأحوال، التي يتعين بها المعنى، ويترجح بها الحكم فيما هو ظني الدلالة. فيكون الوحي إذن، يحمل في ذاته فيما اشتمل عليه من المعاني والأحكام، شيئًا من اعتبارات الواقع الذي نزل فيه متمثلًا في مناسبات نزوله، مما يجعل الوقوف على ذلك الواقع في أحداثه وملابساته أمرًا ضروريًّا في فهم الدين من الوحي (8 ) .