( د ) ما جاء به الوحي، ليس فيه ما يناقض العقل، بل هو جار كله على مقتضى مبادئه: فقد جاء في هذا الوحي، أن العقل هو أساس التكليف، فلو كان فيه ما يناقض العقل لكان فيه تكليف بما لا يُطابق، والحال أنه يعلن أن (( لا يُكلّفُ الله نفسًا إلا وسْعها ) ) [البقرة:286 ] . وأما ما يبدو في الظاهر أنه مناقضٌ للعقل، مما جاء في القرآن والحديث، فهو إما أن يكون مما يعلو على فهم العقل دون أن يكون مناقضًا له، أو يكون مما يبدو في ظاهره كذلك، ويسع التأويل أن يخرجه من ذلك الظاهر، أو يكون العقل مخطئًا فيما توصل إليه من نتيجة، تبدو مناقضة لما جاء به الوحي، لعدم انتهاجه النهج الصحيح في البحث والنظر، أو يكون ما ظُنّ وحيًا من آحاد الحديث ليس في الحقيقة وحيًا. وفي هذه الأحوال كلها لا يكون ما جاء به الوحي مناقضًا للعقل في حقيقة أمره (5 ) .
(هـ ) الوحي وحدة متكاملة، وليس وحدات مستقلة، ومن مظاهر وحدته أنه يفسر بعضه بعضًا، وينسخ بعضه بعضًا، فالقرآن يفسر القرآن، والسنة تفسر القرآن. والقرآن قد ينسخ القرآن والحديث قد ينسخ الحديث. وكل ذلك معروفة مواطنه، مقرّرة عند العلماء؛ ولذلك فإن فهم الدين منه لا يتحقق على وجه صحيح إلا في ضوء وحدته وردّ بعضه إلى بعض (6 ) .