وسواء أكان الوحي قطعيًّا أم ظنيًّا في ثبوته، فإن تعاليمه في ذاته مطلقة القيومية على الإنسان، غير خاضعة بحال لتعقيبه، ودوره إزاءها إنما هو دور الاستجلاء فحسب، قال تعالى: (( وما كان لمؤمنٍ ولا مؤمنةٍ إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرةُ من أمرهم ) ) [الأحزاب:36 ] . وأما التعقيب على أحاديث الآحاد في مجال العقيدة، فليس تعقيبًا على الأحكام الواردة فيها، بل هو تعقيب على الظنية في ثبوتها، دون أن يكون تعقيبًا عليها في ذاتها.
( ب ) الوحي قرآنا وحديثًا خطابُ عام للناس كافة، دون قيد ظرفي بالزمان أو المكان، وذلك سواء كان في صيغته اللفظية عامًا أو كان جزئيًا، إلا ما جاء دليل على تخصيصه، كقوله تعالى في تخصيص النبي الكريم في بعض أحكام النكاح: (( خالصة لك مِنْ دون المُؤمنِين ) ) [الأحزاب:50 ] . ومرجع هذا العموم في الخطاب إلى أصل عقائدي، هو أن الإسلام دين عام للبشرية كما يفيده قوله تعالى: (( وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرًا ونذيرًا ) ) [سبأ:28 ] ، وقوله: (( يا أيُّها النّاسُ إنّي رسول الله إليكم جميعا ً ) ) [الأعراف:158 ] (4 ) .
( جـ ) الوحي منحصر في نصوص جارية على لسان العرب بحسب أساليبهم في القول. وقد كانت للعرب قواعد في الكلام، من حيث دلالة الألفاظ على المعاني، ومن حيث ما يفيده النظم من معان غير معاني الألفاظ في ذلك، وأدبهم في ذلك أدب ثري، فهم من بين الأمم أهل البيان، الذين بلغوا فيه الدرجات العلى. وقد جاء الوحي على هذا اللسان في قواعده مرتقيًا إلى أعلى قمة فيه، حتى كان القرآن الكريم بالغاص درجة الإعجاز في ذلك. قال تعالى: (( نَزَلَ بِه الروحُ الأمين. على قَلْبِك لِتكون مِنَ المنذِرين. بِلسانٍ عربيٍّ مُّبينٍ ) ) [الشعراء: 193-194 ] .