ويتوقف فهم الدين إلى حد كبير على معرفة تلك الخصائص والأحكام، وقد أدى الجهل بها أو تجاهلها قديمًا وحديثًا إلى انحراف في الفهم، بلغ أحيانًا إلى ما يهدم الدين نفسه، وينقضه في أساسه وسنعرض فيما يلي الأصول الكبرى لخصائص النص في طبيعته، وفي طريقة عرضه للدين تلخيصًا في الأكثر لما أفاض في بيانه تفصيلًا علماء أصول الفقه. ونلحق ذلك بحديث عن دور التراث الإسلامي في فهم الدين، وبيان طبيعة ذلك الدور، وما إذا كان فيه مجال للإلزام بوجه من الوجوه.
1 -خصائص الوحي.
للوحي قرآنًا وحديثًا خصائص أصلية، تعتبر معرفتها قاعدة ضرورية في فهم ما فيهما من التعاليم. ونورد فيما يلي أهم هذه الخصائص:
( أ ) الوحي قرآنًا وحديثًا إلهي المصدر كله. وشخص النبي صلى الله عليه وسلم المبلغ، دوره تبليغ معاني الوحي، كما نزلت عليه دون تدخل فيها بوجه من الوجوه. أما القرآن فهو إلهي المصدر معنى ولفظًا، وأما الحديث فإلهي المصدر في معناه دون لفظه، (1 ) قال تعالى: (( وَما ينْطِقُ عن الهوى إن هُو إلاّ وحيٌ يوحى ) ) [النجم:3 ] .
هذه خاصية الوحي في ذاته. أما بالنسبة للنظر فيه من حيث وثوقه بالمصدرية الإلهية للقرآن والحديث، فإن تلك المصدرية قطعية الثبوت في القرآن كله، وفي الحديث المتواتر، وظنية في حديث الآحاد (1 ) . ويترتب على هذا الأمر، حجية ما هو قطعي الثبوت، حجية مطلقة، فيما يشتمل عليه من التعاليم كلها. أما الظني الثبوت فحجيته مقصورة على التعاليم المتعلقة بالسلوك دون المتعلقة بالاعتقاد (2 ) .