وفهم الدين هو الأصل في التدين، وعليه يتوقف إنجازه، ولذلك كان ركنًا قائمًا بنفسه، له فقهه الخاصّ به،وقد أفاض الأصوليون في بيانه وتبويبه وتنظيره، حتى غدا منضبط القواعد أو يكاد. ولما كان الدين محرّرًا في أصول ثابتة هي القرآن والحديث، وكلاهما يختص بخصائص، ويتصف بصفات، من حيث حملهما لتعاليمه، كما أن الدين غايته الفعل في الواقع، لإجرائه على ما يحقق المصلحة، فإن ذلك يقتضي أن يكون فهم المراد الإلهي بأوامره ونواهيه مبنيًّا على أساسين اثنين: أولهما خصائص الأصول في الدلالة على الأوامر والنواهي، وثانيهما اعتبار الغاية التطبيقية فيهما. وكلما اختل في الفهم أحد هذين الأساسين، أو كلاهما أدى ذلك إلى الخطأ في إدراك المراد الإلهي من تعاليمه، فصير إلى أفهام غريبة عن الأصول، التي يزعم أنها أُخذت منها، أو غريبة عن الواقع الذي يزعم أنها لغاية إصلاحه، أو غريبة عنهما معًا، فلا يحصل بها لذلك تديّنُ.