الصفحة 29 من 233

ومن السّنن الجارية في العمل الإرادي للإنسان، أن تقويم أي موضوع واقعي، مادي كان أو معنوي، بحسب مبدأ نظري، لا يتم على الوجه المطلوب، المفضي إلى الانفعال المبتغى، إلا إذا انبنى ذلك التقويم على العلم بطبيعة وخصائص الموضوع الواقعي، والمبدأ النظري معًا، وكلما كان ذلك العلم دقيقًا وشاملًا، كلما كان انفعال الموضوع بالمبدأ أوفق وأكمل؛ وذلك لأن العلم بحقيقة كل منهما وخصائصه هو الذي تبنى عليه الخطّة العملية في المعالجة، وفيما يقع بمقتضى ذلك العلم المزاوجة بين المتناسب من العناصر في الطرفين فيتم الانفعال المطلوب.

وهذه السّنة ماضية في قضية الحال، قضية التدين في طرفيها الرئيسين: تعاليم الدين،وواقع الإنسان. فلا حظّ للتدين في أن يكون قويما مصلحًا للإنسان، إلا إذا انبنى على فهم عميق لتعاليم الدين من جهة. ولواقع الإنسان من جهة أخرى؛ وذلك لأن هذا الفهم هو الذي سيكون أساسًا للخطة التي تعالج واقع الإنسان ليتكيف بالتعاليم الدينية. ومثال ذلك أن من التعاليم الإسلامية أن يكون أمر المسلمين شورى بينهم في شؤون الحكم، فالتدين بهذا الأمر الإلهي يقتضي أولًا: فهم حقيقة الشورى المطلوبة، وتحديد عناصرها وأبعادها، ثم يقتضي ثانيًا: فهم واقع المسلمين من حيث وضعهم الاجتماعي، وحظهم من البداوة والتحضر، ومن الأمية والتعلم، ومن التقارب والتفرق في المنازل. وعلى ضوء ذلك كله يقع ضبط الشكل الملائم للتدين بواجب الشورى، ولو فهمت الشورى على غير حقيقتها، أو أهملت بعض عناصر الواقع في وضع المسلمين، لجرى التدين بالشورى على نحو لا يؤدّي إلى المصلحة المقصودة منها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت